الجمعة، 8 يونيو 2012

حكايات من القرية : شيخ من القرية


شيخ من القرية
اسمر البشرة ممتليء الجسم ذو عينين ثاقبتين كأنه يتطلع إلى مستقبل أفضل من خلالهما ، ذو قلب ساخط على كل القرية ومن فيها ، في مجتمع اعتاد على حب الزعامة والالتفاف حول الزعماء وتمجيدهم وذكر بطولاتهم الصورية ليجدوا لأنفسهم الحماية والقوة ، في مجتمع يسود السواد الأعظم منه الجهل والتخلف والاعتداء على الضعيف ، ولا ينتهي الظالم عن ظلم أخيه حتى يخافه ، نشأ في بيت أبيه الكريم الذي اعتاد على استقبال الضيوف ولم يكن في يوم يتطلع أن يكون زعيماً أو شيخاً لربعة أراد هذا الشاب أن يؤسس لنفسه مجداً في هذا المجتمع ولكنه مجتمع يريد من الزعيم أن يكون كريماً سخياً قوياً ذو بطش وإلا لم يحترمه أبداً ولا يستجيب له ولا تلتزم العشيرة بقراراته التي يتخذها .
رجل ليس له في كل ماذكرنا من نصيب فهو خلاف ذلك ، فقد اعتاد العيش منعزلاً لا يحب مخالطة عامة الناس ، لم نره في يوم من الأيام فتح مضيفه أمام أحد من ضيوفه ولا يستقبل أحداً إلا لحاجة ، ولا يقضي حاجة محتاج من أفراد عشيرته إلا ماندر ، يحب المال كثيراً حريص على جمعه بخيل في إنفاقه إنها الأثرة قبحها الله من صفة مذمومة  ، وضع نصب عينيه أن يتزعم أفراد قبيلته وكان دائماً يقول : لا بُـدَّ لي من النجاح في حياتي ، ولا اسمح لعقبة من العقبات مهما كان شأنها أن تقف في طريقي وسعى لبلوغ غايته بكل الوسائل التي يستطيع تنفيذها .
كان حاد الطبع سريع الغضب شديداً مع عياله وزوجه يتعامل من علو مع الكل وبغلظة متناهية غير مبالٍ بالمشاعر والأحاسيس وكرامة الإنسان فهو كثير الصياح والشجار ، وكانت أسرته تعاني الأمرين من تصرفاته تجاههم وتجاه أفراد العشيرة الذين كرهوه كثيراً ، ومن أفراد أسرته الذين عانوا من ظلمه وبطشه ابن عمه ذلك الأستاذ الجامعي الذي كان يملك قطعة أرض موازية لأرضه التي استولى عليها قبل عشرات السنين ، وضمها إلى أرضه الزراعية ، فالطمع سكن قلبه وخالط فؤاده ، ولم يجرؤ الأستاذ بمطالبته بنصيبه من الأرض كل تلك السنين مخافة بطشه وجبروته ، وان تجر تلك المطالبة بأمور لا يحمد عقباها على الطرفين ،  في أحد الأيام تشاجر مع ابن عمه الذي لم يحسب له يوماً حساباً ، ولم يكن يوماً يخشاه ، حول نصيب كل واحد منهما في الأرض الزراعية ، فنشب الخلاف وتعالت الأصوات ، وقال الشيخ مهدداً ومنذراً إياه : أعدك وعداً صادقا أنَّك ستلقى مني أشد العذاب ، فارتاع لسماع حديثه الارتياع كله ، وأخذ بالتهديد كل مأخذ ، وكان يخاطبه بلهجة الآمر الناهي ، وقال له : إنك لا تستطيع أن تنتزعها من يدي ولا أن تفصلها عن أرضي فإذا ما فعلت فاني أعدك أن قبرك سيكون فيها ، وردّ عليه ( الأستاذ ) بهدوئه المعهود ورجاحة عقله ورزانته : إنك إن استطعت أن توقف الشمس في كبد السماء ، وان تحول بين الأرض ودورتها ، سأتخلى حينها عن نصيبي في الأرض ، ومشى الشيخ في طريقه مشية الرابح النشوان يحدّث نفسه ويقول : أليس من الظلم والغبن الفاحش أن ينتزعها مني ويقل بذلك ملكي في القرية ؟ ،  مما اضطر بعض أعيان القرية إلى التدخل لحل النزاع بطلب من الأستاذ ، وبعد جهود مضنية تمَّ إقناع الشيخ بإعطاء الأستاذ نصيبه من الأرض ، واتفق الطرفان على ذلك لكن ابن عمه الشيخ  بعد أن ذهب إلى داره يبدو أنَّه فكر كثيراً ولعب الشيطان برأسه ، وقال مع نفسه :إن الأمر  مستحيل ، وأخذ يتذكر كيف كان لسنوات كثيرة يزرعها ، وكم دفع من الأموال من أجل إصلاحها والحفاظ عليها ؟ فـقد بصره قبل بصيرته ، وأخذ الغضب منه كل مأخذ فأصبح لا يرى عدواً له في الدنيا كلها إلا ابن عمه (الأستاذ ) فلا يكاد يستقرُّ في خاطره وفي فؤاده أنَّه سيفقد الأرض حتى يشعر بجذوة نار تـتّقد بين جنبيه من الحقد الموجد على هذا الإنسان ، فما كان منه إلا أن ركب سيارته وهو لا يعلم كيف ركبها وقادها وهو لايعلم كيف قادها وانطلق مسرعاً إلى الأرض الزراعية ، وفي الأرض كان أعيان القرية يقومون بقسمة الأرض مع ابن عمه( الأستاذ )، فما إن وقع نظره على ابن عمه الأستاذ ، حتى جَمُدَ بصره واصفرَّ لونه ووقفت دورة الدم في عروقه وشعر برعدة تتمشّى في أعضائه ، فاتجه صوب ابن عمه ( الأستاذ ) وجعله نصب ناظريه فضغط بقدمه على دواسة الوقود بكل قوة وانطلقت السيارة مسرعة تكاد لا تلامس الأرض صوب ( الأستاذ ) فصدمه سقط الأستاذ هاوياً على الأرض فدهسه بعجلات سيارته ، ثم كرَّ عليه راجعاً ليدهسه مرة ثانية ، فرَّ إلى القرية هارباً ،  بقي الأستاذ  ملقى على الأرض وقد غطته الدماء ، ولا يعرف هل هو على قيد الحياة أم فارقها ؟   فمدّ أحد وجهاء القرية يده إلى يد الأستاذ فراعه أنَّه لم يحركها بل سقطت فظن أنَّه فارق الحياة ، جسَّ نبضه فوجده حياً فنقلوه إلى المستشفى ليتلقى العلاج هناك ، فتركه يعاني مايعاني من إصابات في جميع جسده ولم يتشافَ منها إلا بعد سنوات عديدة ، وبرغم ماحدث لم ينثنِ الأستاذ عن المطالبة بحقه حتى استرده بعد عناء وسنوات من الضياع والظلم والإيذاء .
ولما عاد الشيخ إلى القرية كأنَّه أصابته لِمَّةٌ من جنون ، أخرج سلاحه وأراد الخروج من منزله ولما رأى الناس مجتمعين حسب إنهم يريدون إيذائه ، أطلق النار على أهل القرية ليصيب اثنين منهما بإصابات خطيرة ، ليودع السجن ويكابد فيه أنواع الأذى  واصطلى بنار البغض والحسد الذي أحال حياته إلى جحيم وأشعل قلبه وربما كان الكثير من أهل القرية من يتمنى أن يبقى في السجن السنوات الطوال ويتلذَّذُ بآلامه وأسقامه ، ولم يخرج منه إلا بعد أن دفع أكثر من ثمن الأرض تعويضاً للأستاذ على ما أصابه من ضرر جسدي ومعنوي فضلا عن عودة أرضه إليه من جديد . 

حكايات من القرية : دين القبيلة


دين القبيلة
كثيرة هي المشاكل الأسرية التي تؤدي بالنتيجة إلى الطلاق الذي يفكك الأسرة ويجعل الأبناء عُرضة للانحراف ويلقيهم لُقْمَةً سائغةً في مهب الريح لأي عاصفة هوجاء تقتلعهم من جذورهم ، وتزرع الأشواك في طريقهم وفي مضاجعهم ، ويصبحون وقوداً لنار الأحقاد التي تستعر في البيت ويهملون في خضم الصراعات العائلية ، إن زوجة الأب تريد أن تنتقم من كل شيء يَمُتُ إلى الماضي بصلة ، حتى ولو كان أبناء زوجها وهي بتصرفاتها هذه تجسد أبشع صور الأنانية وأبعدها عن الخلق القويم ، ولا يشعر الأبناء بالطمأنينة في هذا البيت ولا السكينة فيه ، ولا يعتبرون أنفسهم أفراداً أصلاء فيه بل هم لاجئون في بيت ليس لهم فيه إلا الاسم فقط .
نشأ (حمودي) في هذا الجو الذي تكثر فيه الأحقاد وتستعر في الصدور ، تحت يد زوجة أب ذات قلب قاسٍ لا يعرف الرحمة ولا يعرف الهوادة ، فكان يطرد من البيت لأي سبب ولو كان تافهاً ، وإذا بـه في قارعة الطريق ، بمباركة من الأب الذي كان يجاري زوجته في كل شيء ، وصار عليه دخول البيت محرماً إلا بوساطة من أحد الأصدقاء بعد عدة أيام ، دون أن يعرف أين كان يقضيها ومع من كان يعيش .
كان يقف أمام الأب وهو ينظر إليه بعينين محدقتين مفتوحتين مملوئتين حقداً وغضباً وكرهاً عليه وعلى الظروف التي يعاني منها فعانى من الظلم والبؤس والحرمان ، فالأب لايهتم بتربيته ولا يرعاه ولا يفتح عينيه ليرى مايصنع فيكافؤه على إحسانه ويعاقبه على اسائته ، وبقي يعاني من هذه التصرفات حتى اشتدّ عوده وقويت بنيته فتعرف على مجموعة من السُرّاق خارج القرية ، ليقوم بسرقة بعض البيوت والمحلات التجارية ، والقي القبض عليه وأودع في سجن الإحداث لصغر سنه ، فلما قضى مدة محكوميته خرج ليعود إلى بيت أبيه من جديد ،  فالأب بتصرفاته هذه خلق منه مجرماً وسارقاً محترفاً برغم صغر سنه ، فكم من منزل ومنزل قام بسرقته ، وجعل الأسر في القرية تعاني من فقد الأمن والأمان وتحرم أعينهم المنام وفقدوا لذة العيش الآمن والصفاء والهناء .
سخّرته زوجة أبيه هذه المرة للسرقة لتقوم ببيع السلع والأجهزة والمصوغات الذهبية التي يقوم بسرقتها ، وتعطيه نصف الأموال ليصرفها على ملذاته الشخصية مع توفير الحماية له من الأب الذي أراد أن يُـقوم الاعوجاج الذي فيه .
أخذ يسير في الشارع مرجلا شعره ومصصفاً إياه تصفيفاً حسناً ، يختال في مشيته زهواً وإعجاباً كأنه ديك الحبشة نافشاً ريشه ومسدسه تحت حزامه وسكينه في جيبه .
في أحد الأيام خرج من بيته فوقف في الشارع مع بعض الأصدقاء ، دخل لص من محلة أخرى إلى الشارع الذي يسكن فيه في أحد أحياء مدينة الموصل ، انبرى له وغرز سكينه في فخذه فولى اللص هارباً والسكين معلقاً في فخذه يئن من الألم وعاد ليقف مع الأصدقاء من جديد وهو يبتسم ابتسامة بلهاء ولم ينطق بحرف واحد.
أحب فتاة في الحي وأخذ يقدم لها الهدايا والمصوغات الذهبية مما فرض عليه عبئاً آخراً فازدادت سرقاته ، خرج لزيارة أحد الأصدقاء فرآه أحد الأشخاص فمنعه من دخول هذا الشارع فلما قال له حمودي:  لماذا لاتريدني أن أدخل لازور صديقي ؟ قال : انك لص سارق ونخشى أن تقوم بسرقة منازلنا .
خبأ هذه الكلمات في صدره واضمر له الشر وقرر أن يقوم بسرقة بيته ، تسلق الجدار ودخل الدار وقام بسرقة التلفاز وبعض الأجهزة الكهربائية ليقوم بمناولتها لعصابته وسمع الرجل حركة غير عادية في البيت فقام من فراشه فرآى حمودي يسرق النقود والمصوغات الذهبية ، هجم الرجل عليه ، أخرج حمودي مسدسه ولكنه لم يستطع إطلاق الرصاص منه ، دار صراع بينهما على السلاح خرجت رصاصة ووقعت في فخذ حمودي ، سقط في الحال على الأرض مضرجاً بدمائه اتصل الرجل بشرطة النجدة ليودعه في السجن ، فانبرى أفراد العشيرة للدفاع عن حمودي ، أليس هو أحد أفرادها ؟
ليس اظلم ولا أشنع من قلب الحقائق من قبل الكثيرين فإذا بين ليلة وضحاها يستحيل الحق الأبيض الأبلج إلى ليل اسود بهيم بينما صاحب الحق يراه أبيضاً ناصعاً كرابعة النهار ، في زمن استشرى فيه الفساد وتغيرت فيه الذمم وفسدت فيه الأخلاق ، فساد استشرى حتى في الأجهزة الحكومية ليقوم ضابط التحقيق بعد أن دفع له أفراد القبيلة مبلغاً من المال ، بتلقين ( حمودي)  انه كان على موعد غرامي مع بنت صاحب الدار ولم يأتِ للسرقة ليتخلص من حكمها ، فقام صاحب المنزل بالتنازل عن دعواه وتمَّ الصلح بينهما حفاظاً على سمعة أسرته ، فالشرطي مؤتمن على أعراض الناس وأموالهم وأخلاقهم فإذا بالشرطي نفسه يحتاج إلى مراقبة ومن لا يخف الله لا شيء يمنعه من أن يسرق أو يزني أو يقتل أو يظلم أو يعتدي على أحد .
يجب أن تكذب القبيلة لان فيه ضياع مال أو هتك عرض لخصومها وهذا كله من قبيل النصرة للأبناء وتضحية بالإسلام والقانون في سبيل نصرة فرد من أفرادها ، فتُصغّر الجرم العظيم الذي يقوم بـه وتَـكسُر قلوب العباد وتُسخِّر سطوتها لنصرته، وكأن أفرادها فوق الشرع والقانون ، فانتصرت له القبيلة بعد خروجه من السجن لتقوم بتغريم الرجل مقابل إصابته في فخذه مبلغاً كبيراً من المال وإلا عرض نفسه وعائلته وعشيرته للإيذاء متناسية أنَّه هو من هجم على دار الرجل واعتدى على ماله ، وشوه وقذف عرضه بتهمة باطلة ، وكأن أبناء القبيلة ليسوا من المسلمين ، أو حتى من عرب الجاهلية الذين لايقرّون أن يعتدي أبناؤهم على عرض الآخرين فيحفظ هؤلاء الولاء للقبيلة وينتصرون لإفرادها ويدافعون عن مجرميها بدون وجه حق فلا نعلم من الذي يشرع ويحكم القبيلة ؟ أهو دين محمد صلى الله عليه وسلم أم قانون سنته القبيلة لتدافع به عن المجرمين من أفرادها  .
* * *












حكايات من القرية : دعوة والد


دعوة والد
قام ببناء بيت كبير ، لعله يكون مأوى لأبناءه العشرة عندما يتزوجون ، هذا البيت كان يعجّ بالحياة والمرح ويفيض حباً وحيوية لما يحويه من شباب ، وكانت داره مأوى للغرباء ، والضيوف لكونه إماماً لجامع القرية ، يقصده الناس من جميع أرجاء المنطقة للرقية الشرعية من مختلف الأديان فضلاً عن بعض الزوار من المحافظات الأخرى .
ثقلت عليه الأيام والسنون ، وتوالت عليه الأحداث الجسام ، وكأن القدر قد صبّـها عليه صبّـاً ، فقد أحد أبنائه في الحرب العراقية الإيرانية وفقد الثاني في حادث سير عند ذهابه للبحث عن أخيه ، أما الابن الثالث فقد قتل وهو يحاول اجتياز الحدود العراقية هرباً إلى سورية ، هاهو يواري جثامينهم الثرى بشهر واحد  ، ويحس كأن الدماء قد توقفت في عروقه ، وان روحه في جسده بدأت بالانحسار من بين أعضائه رويداً رويداً ، وخالطه حزن عميق وشعور مبهم ، نتيجة فقد ثلاثة من الأولاد في شهر واحد .
تزوج ابنه الأكبر من ابنة عمه فطلقها بخلاف إرادة والديه ، وبعد عدة أشهر اختار امرأة مطلقة ولديها ولد من غيره تسكن مدينة الموصل ، وأصرَّ على الزواج بها برغم مناشدة والديه له واعتراضهما على هذا الزواج ولكنه مضى باجراءاته فقبلا على مضض لأنهما لا يريدان إغضابه وقد فقدا أبنائهم الثلاثة قبل أشهر عدة ، وسبب الاعتراض كان انها من بيئة غير البيئة القروية ولعدم انسجامها فكرياً وثقافياً مع عاداتهم العشائرية وحياتهم القروية الصعبة ، فمثل هذه المرأة لا تستطيع احتمال الحياة وقسوتها في مثل هذه البيئة فضلاً عن عدد الأسرة الكبير .
انزوى الابن في غرفته التي تقع في زاوية من زوايا البيت الكبير الفسيح ، حاول الأب جاهداً أن يتصدى لزوجة ابنه لكنه لم يستطع، خرج الابن من بيت أبيه وكأنه خرج من نفسه ، حمل متاعه والأب يصرخ به وينادي عليه لا تذهب بعيداً عني فالبيت واسع علينا وعليك ولكنه لا يسمع النداء فقال الأب له: بروا آبائكم تبركم أبنائكم ، ستصبح في يوم من الأيام أباً مثلي ولن يستجيب لك أبناؤك واسأل الله أن يكونوا شراً منك .
كانت الدموع تسيل على خديه من عينيه ، وتتحدّر على لحيته البيضاء ، فلا يقدر ماكان يعانيه الشيخ من الألم إلا من أصيب بمثل مصابه .
لا استطيع أن أصوّر كل ماكان في ذلك اليوم ، فلو رأيتم مشهد الشيخ وهو يخرج مهرولاً ، لقد وقف في وسط الباب وهو يتوسل بولده بعدم الذهاب بعيدا عنه .
لم يشعر يوماً بالسعادة ، ولم يشعر بالأمن والطمأنينة ، بعد هجر ابنه له وكان يخشى أن يطول أمد الفراق ، ويتعود احتمال الواقع المرير .
ولفعل الابن هذا هجره الأصدقاء ونأى عنه الأشقاء ، وجفاه كل صديق ، حتى اقرب الناس إليه ، وابتلعه الفقر ، وطغت عليه الحاجة والعوز فلم يستطع الإيفاء برغبات الزوجة  الكثيرة والمتعددة .
خرجت من البيت كعادتها في حالات الخصام وهو يحاول أن يمنعها من السفر وهي ترتدي أفخر الثياب وأجملها ، وتحمل بيدها حقيبة سفرها تاركة الأولاد في البيت .
واجتاز المصلين الخارجين من المسجد وهو يهرول خلفها ، محاولاً ثنيها عن السفر ولكن لا جدوى لا تلتفت إلى  توسلاته فاستقلت سيارة وسافرت إلى مدينة الموصل وهو ينظر إليها والألم يعتصر قلبه .
فقد أهمل وقصر في تربية أبنائه ، فكانت النتيجة على غير مراده ، وكان دائماً يردد العين بصيرة واليد قصيرة .
كان الصراخ دائماً يملأ البيت فلا يقدر على لجم جماحها فقد التي أحبها كثيراً ، ولا يستطيع أن يردها في قول أو فعل مخافة أن تقوم بهجره وتسافر إلى أهلها .
فشدت عليه وثاقها ، والجمته بقيدها فلم يستطع إلا أن يسير خلفها ، هذا الرجل الذي يملأ حديثه المجلس عبقاً،  وأنساً ومرحاً ، مذكراً الناس بالله عزوجل ، وداعياً إياهم إلى التمسك بسنة نبيه ، فإذا ماتقدم المصلين ليؤمهم في الصلاة أبكى سامعيه ، وأحسوا بخشوع ، وتدبروا آيات كتاب الله من خلال قرأته ، فهو يصورها تصويراً رائعاً بنغمات صوته الجميل وحسن أدائه ، وبراعة إلقائه للموعظة ، برغم قلة علمه فقد أثقلت الحياة ظهره ، وأشغلت الزوجة قلبه ، والأبناء فكره ، بكثرة مشاكلهم ،وعدم طاعتهم إياه ، وتركهم دراستهم ، وعدم تمسكهم بدينهم اقتداءاً بأمهم وأخوالهم .
كان يشكو ألم الغربة في بيته ، ويحن إلى أيام البيت السعيدة التي قضاها في كنف أبيه ، اكتسح الشيب رأسه ، فقد اتزانه فكان يخرج خارج القرية ويسيح في مروجها وبين أشجارها وهو يضع طرف ثوبه في فمه ، وهو غارق في همومه وآلامه يحدث نفسه فهو يتصارع معها ، ويصرخ بها ويحدثها عن زوجته وأبنائه ، ثم يعود إلى القرية من جديد ، وقد هدأت روحه وسكنت نفسه واطمأنت ، وكان دائماً يردد ويقول : رجل مفتون أصابته دعوة والد ، فمن رآه حسب أن عمره فوق الستين وهو لم يتجاوز الأربعين بعد ، سرى إليه المرض الذي لم يشعر به فنحل جسمه واصفر لونه .
لم يخطر على باله ألبته المصير المؤلم الذي ينتظر أسرته وبنيه ، في أحد الأيام ألقت الشرطة القبض على ولده الأكبر وهو يتعاطى الحبوب المسكرة وقد صور له الشباب فيلما وبثوه في إرجاء القرية عن ولد إمامها ، كيف انحرف ؟ طار الخبر على ألسنة الناس ، سمع ماقيل أسرع إلى البيت وهو يرجو أن يكون الخبر كاذباً، فلما تيقن صحته لم يتمالك نفسه أن بكى ومرت عليه ليال بطولها لم يذق فيها طعم النوم ، وفتش بين القبور عن قبر أبيه ، ثم وقف عليه ، وأشاح برأسه صوب القبور الأخرى وأحس أن قلبه يتمزق فأحنى رأسه حياءاً  وخجلاً وهو ينعى أباه ويقول : ليتك كنت حياً يا أبي لترى ماذا فـعل الأبناء بي لقد أضاعوا مجداً وتاريخاً عبقاً بنيته فلم استطع أن أحافظ عليه فانهار أمام ناظري .
هـَدّه هذا الأمر وسرى في جسده كالنار في الهشيم ثم تبعه الثاني ، اشترك مع عصابة في تزوير العملة الأجنبية وسرق المحلات التجارية وأودع السجن أيضاً، فلم يستطع أن يقف على قدميه وسقط على الأرض أي فؤاد يستطيع أن يخفق بعد هذا الأمر الجلل ؟ لقد توقف قلبه للحظات ، وتم نقله إلى المستشفى وبعد فحوصات كثيرة تبين أنه مصاب بمرض السرطان في حالة متقدمة فأقعده المرض في سريره ، فلم يمض إلا أشهر عدة حتى فارقت روحه جسده ، فتألم أهل القرية كثيراً على فقده لمحبتهم إياه وحسن عشرته لهم وسمو أخلاقه الكريمة لقد كان يفيض عليهم حباً وعلماً ومرحاً ، غادر هذه الدنيا وترك خلفـه ذكرى نيّـرة تشع نوراً ، وعطراً زكياً يفوح بين أرجائها  .

* * *




حكايات من القرية : القاتل المأجور


القاتل المأجور
شاب أهوج ، أرعن ، يهذر كثيراً ويصرخ ، ويضرب بقدميه الأرض وبكلتا يديه جدار الغرفة ، كلما حذرته أمه من تصرفاته الطائشة غير المتزنة ، لا يفرق بين الحق والباطل ، ولا يعرف الحسن من السيء ، فقد أباه وهو طفل صغير في الحرب العراقية الإيرانية , لتنتقل أمه إلى مدينة الموصل ، وتسكن في الدار التي بنتها بعد أن منحتها الدولة مبلغاً كبيراً من المال من جراء فقد زوجها ، كبر الولد , ولا أب ولا جد , ولا عم ولا خال لرفض أُمه التدخل في تربيته من قبل أعمامه السبعة وأخواله .
ولقد ملأت قلبه حقداً وكراهية لكل قريب ، وكانت كثيراً ماتهمس في أذنيه ، وتقول له : إن الجميع يطمعون في مالك فلا تقترب منهم ، على هذه الكلمات التي تدق أسفين الكراهية في قلبه على أعمامه وأخواله وجميع أقربائه ، كَـبـُر (عبدالله ) حتى استحال الحقـد إجراماً فتاكاً مدمراً لجميع البشر .
دار الزمن دورته من جديد ، لقد صبروا على تصرفاتها ، ولم يبق في القوس منزع ، واحتملوا منها ما لايحتمل ، فلما نفد الصبر هبَّـوا هبة الحليم لتنبيهها إلى خطر هذا الولد في المستقبل إذا لم يُـربَّ ويجد من يردعه عن تصرفاته الرعناء هذه ، ولكنها لم تُصغ لكل نداءات العقل ، بل سارت خلف عاطفتها ، وتبعت هواها ، فلم تسمع كل هذه النداءات ، فهي تراه على غير مايرونه هم وتقول : إن سبب استئسادكم عليَّ وعلى ولدي لأن لا أخ شقيق له .
        لقد مـرَّ على هذا الحديث عشر سنوات ، لقد انقضت السنوات سريعاً وكبر الصغير واشتد عوده ، فكلما زاد عمره يومًا ينقص من عمرها شهراً كاملاً، وكلما دنا من عمر الشباب دنت من شيخوختها المبكرة ، وكلما حفل بالقوة أصابها الضعف والوهن ، فقد جمع الله فيه كل صفات الشر ، فهو فارغ الرأس من العلم ، خالي القلب من خشية الله ، له يد تسرق ، ويد تبطش ، وهو جاهل ، فاسق ، بذيء اللسان ، لص ، مجرم يلبس مسوح العُبّاد بعد مئزر الجلاد ، ففي كل يوم يأتيها رجل يحذرها وينذرها ويدعوها إلى تقويم خلق ولدها وهي ترى ذلك من تهويلات الناس لا غير .
لقد بدأت الأمور تسوء ، وانزاحت الغشاوة عن عين أمه ، فأصبحت ترى ماكان يحذر منه الأقرباء والأصدقاء ، يقع رأي العين أمام ناظريها ، وأخذ يتصرف كيفما شاء , فقد انقلب عليها تدبيرها إذ كانت تعده لينتقم لها من ضرتها وأولادها وأعمامهم ، فأخذ يقسو عليها ، قسوة جبار يريد أن يهلكها ، وهي بتصرفاتها السابقة وتركه للمدرسة قد ساقته إلى الجهل ، والجهل قد دفعه إلى الإجرام ، فخسر نفسه وخسرته أمه .
تزوج ( عبدالله ) , لا يُعْرَف مصدر المال الذي في يده , فهو عاطل عن العمل ، سيارة فخمة , بيت وأثاث فاخر , وفرن للخبر ، من أين هذه الأموال ؟ إنه التهريب للبضائع وللسيارات المسروقة إلى الشمال أثناء فترة الحصار على العراق ، مال سهل سائغ بلا كد ولا تعب ، ينثر النقود في المراقص والملاهي .
لقد رأت أمه عجباً ، نقل إليها ماكان يفعل ولدها فشكت ولم تصدق ماقيل وأخذت تسمع  عنه في كل يوم عجباً، وشاهدت منه أموراً هي أعجب من العجب ، فأخذت بالاستنجاد بالأقرباء ولكن لا مجيب لها لان الجميع يخشونه كثيرا فهو كما يسمعون قاتل مأجور ، وبعد رفضهم لمساعدتها في ردعه قالوا لها : إن رأس الإجرام ومنبع الشر هو أنت ، وقلبك الأسود ، لما غرسته في قلبه من كراهية وبغضاء لذوي الأرحام ، فاستفحل شره ، فعمَّ جميع الخلق .
فكانت تنبهه وتصرخ بوجهه وتقول له : أنت أملي وملاذي وأنت عوني على الدهر ، ليتني أموت قبل أن أرى اليوم الذي ستودع  فيه السجن ؟ أو يحكم عليك بالإعدام .
صرخ بوجهها وأخذ بضربها ففزع الجيران إليه فوجدوه وقد رماها على باب الدار وهي تنظر إليه ، والدموع تنهمر من عينيها ، والدماء تسيل من فمها ، وكأنها تنتظر الساعة الرهيبة التي تراه مقتولاً أو مسجوناً فيها ، فيسطو  (عبدالله ) على مافي جيبها من نقود ويستخرجها منه بقوة ، خرجت وهي لاتملك شيئاً ولا تعرف إلى أين هي ذاهبة بعد أن قطعت كل أواصر الرحم مع إخوتها وأشقاء زوجها من أجل هذا الولد الطائش الذي عصف الشيطان برأسه وقلبه .
كانت المسكينة مريضة ، علم إخوتها بمرضها فأخذوها عندهم، وهي على فراش الموت تسأل عن أخباره وأحواله، ولم تره حتى فارقت الحياة بعد عدة أشهر .
قلَّ المال في يده بعد أن اعتاد تبذيره , لا مال عنده كيف يتباهى  أمام الناس ؟. فقد سيارته وفقد بعض أمواله , ثم عاد المال ليجري في يده من جديد , عاد إلى القرية ليسكن في بيت أخيه من أبيه ، أخذت الأمور تسوء يوماً بعد يوم وأخذت علاقته الزوجية تسوء كذلك , كثر الشجار بينهما , علت الأصوات , ولا أحد يتدخل من الأقرباء لأنهم يخشونه كثيراً لأنه قاتل مأجور .
        وفي أحد الأيام قام بضرب زوجته وكسر يدها وطردها من البيت , عادت إلى أهلها فأدخلوها المستشفى , وتمَّ علاجها , هاجت المرأة كالنمر المجروح , وسدت باب الأمل بالعودة إلى زوجها , بعد أن حدث شجار بينه وبين أشقائها وبعد أن رفض كل وساطات الإصلاح بينهما أصرّ على موقفه منها , وقام بتطليقها , أخبرت المرأة الشرطة أن زوجها جاء بحثت رجل وقام بتقطيعه ورميه في قسطل (المرافق) البيت ، خرجت الشرطة لتلقي النظر فوجدت الجثة فيه وقد تفسخت ولم يبق منها سوى الهيكل العظمي لا غير ألقوا القبض عليه وأودع السجن ولكنه أصرَّ على إنكاره فقاموا بعرض فيلم عليه يبين له كيف استخرجوا الجثة وفيه اعترافات زوجته عليه ، فقام بالاعتراف على من شاركه في جرمه هذا الذين  قاموا بقتل الرجل لأجل المال , وأودع السجن ليحكم عليه بالإعدام بعد عدة جلسات من المحكمة .

* * *







حكايات من القرية : الزوجة الهاربة


الزوجة الهاربة
نشأ يتيماً وعانى من اليتم والفقر والجوع  كثيراً، فأصبح هاجس الغنى ومخافة الفقر دائماً بين عينيه ، يبحث عن المال في أي عمل كان ، ولايبالي برضا من رضي وسخط من سخط من الناس ، المال مقصده وقبلته ، أخذ يعمل في بيع السيارات ، وفي تأجير الأراضي ، وبيع الأعلاف ، وفي تعقيب المعاملات الرسمية ، تزوج في بيت متواضع بزوجة مطيعة ، صالحة ، صابرة ، صبرت على فقره لسنوات عديدة وأنجبت له عشرة من الأبناء الذين أصبحوا يده الضاربة في عمله ، كأنها نسمة من هواء عليل، وهي من أشد النساء طاعة لزوجها وإخلاصاً له ، كان مهذاراً ، كثير الحلف في بيعه وشرائه .
في إحدى الأيام وهو داخل إلى محكمة مدينة الموصل لتعقيب إحدى المعاملات ، شدَّت انتباهه امرأة جميلة محتشمة ، تجلس على باب المحكمة ، تبكي بكاءاً شديداً فوقف برهة متسائلاً مابها ؟ ثم تجاوزرها وسار في طريقه نحو الداخل ، أمضى عدة ساعات في داخل المحكمة ثم خرج منها قبيل الظهر بقليل ، فرءاها لازالت تجلس في مكانها والدموع تسكب من عينيها وهي مطأطئة الرأس نحو الأرض وعلى وجهها يبدو الحياء ، لا تنظر إلى الرجال ، وكعادته  دائماً كان المبادر والسباق في تقديم المساعدة لكل محتاج ، فقال في نفسه يالها من مسكينة فتقدم إليها ، وقال لها : مابك ياأختاه ؟ هل تحتاجين إلى مساعدة كي أقدمها لك ؟
قالت : لا شكرا لك ؟
قال: لماذا تبكين إذن ؟
قالت : زوجي سامحه الله وغفر له ، طلقني قبل قليل وذهب .
فقال: لماذا لاتعودين إلى أهلك ؟
قالت : أخشاهم كثيراً ، سوف يقتلونني إذا علموا بطلاقي فلن أعود إليهم حتى أتزوج من زوج آخر ، أتوسل إليك أن تعينني حتى أجد لي زوجاً يسترني .
وقعت هذه الكلمات في قلبه موقعاً شديداً ولعب الشيطان في رأسه وتوسم فيها الخلق العالي ، وأغراه جمالها فقال من فوره هل ترغبين بي زوجاً لك ؟
قالت : نعم .
فتزوجها دون أن يفرض لها مهراً بعد أن عقد عليها عقداً خارجياً عند أحد ( الملالي )، واستقر في بيت أخيه في مدينة الموصل لعدة أشهر ، شاع خبر زواجه في القرية ، بعد أن كثرت رحلاته إلى مدينة الموصل ، وطال مكثه فيها عدة أيام في كل أسبوع ، فعلمت زوجته الطيبة بزواجه ، فطلبت منه أن يأتي بالزوجة الثانية  إلى بيته في القرية وينهي هذه المعانات التي يكابدها ، ويستقر في عمله بين أهله وأبنائه .
 قدم بها إلى القرية ، وأخذت نساء القرية بالتوافد إلى بيت أبي سليم لرؤية زوجته الثانية ، وللتهنئة بالزواج ، ولكن أمراً لم يكن في الحسبان وقع ، تعرفت إحدى نساء القرية على الزوجة الثانية ( العروس) ، لتخبر كل من في المجلس من النساء بإنها زوجة أبيها الفارة من بيته منذ عدة أشهر بعد أن سرقت منه مبلغاً كبيراً من المال  فوجمت النسوة عن الكلام .
انتشر الخبر في أرجاء القرية كالنار في الهشيم ، وأصبح حديث المجالس ، ولكن أبا سليم لا يصدق مايقال عن زوجته ، وأخذ يكذب مايقال عنها ، ويقول: من الذي يقول إن ماقالته هذه المرأة صحيح ، مُدعياً أن هذا القول ماهو إلا شائعة من الشائعات الكثيرة التي تطلقها النساء والهدف منها تشويه سمعة زوجته (الثانية)  نصرة من نساء القرية لزوجته (الأولى)  أم سليم .
بعد هذه الحادثة لم تمض عدة أيام إلا وعدد من السيارات تقف أمام دار أبي سليم تبحث عن هذه المرأة وإذا به الزوج الأول الذي لازالت على ذمته ، كان رجلاً كبيراً في السن قوراً ، سيما الصلاح والغنى باديان على محياه ومظهره الخارجي .
لم يأتِ لاستردادها إنما جاء لاسترداد ماله الذي سرقته فقد طلقها بعد السرقة بأيام ، فقال لأبي سليم وقد أخفى خبر طلاقها عليه : إنها زوجتي ولم أطلقها فكيف تتزوج من امرأة متزوجة من زوج أخر ، اني لا أريدها بعد أن هربت ومرغت أنفي بالتراب ، دعها لك ، ولكني أريد مالي الذي قامت بسرقته ، وبعد أن تدخل أهل القرية وفي احد مجالسها ، تـَمَّ الصلح بينهما ، وقام أبو سليم بدفع المال الذي سرقته من زوجها الأول ، وقام الزوج الأول بتطليقها أمام الجميع لإصرار أبي سليم على ذلك برغم قول الزوج الأول انه طلقها منذ هروبها ، ولكنه قال كلمات على مرأى ومسمع من أهل القرية : إنها لن تبقى عندك طويلاً ، وسوف تهرب منك أيضاً لتـتزوج من زوج آخر ، لأنها خدعتني وتزوجتني وهي بعصمة زوجها الأول ، وتزوجتك وهي بعصمتي ، ولا نعلم من كان قبلنا ولا من سيكون بعدنا ، فخذ حذرك منها إنها امرأة ماكرة غادرة خائنة .
خرج إلى عمله فوجدها على الطريق تريد الهرب من البيت مدعية أنها تريد زيارة أختها في مدينة الموصل ، وتكرر الهرب منها ، ولكن لا أحد من أبناء القرية يجرؤ  على حملها في سيارته بعدما قال زوجها الأول ماقال مخافة أن يتهم انه هو الذي قام بتهريبها من زوجها أبي سليم لغرض في نفسه
شدد أبو سليم الحراسة والمراقبة عليها ليس من أبنائه وأقربائه بل من جميع أفراد القرية ، لا يستقبلها أحد في داره مخافة السُبّـة التي سوف تلحقه من فعلها .
ضاق عليها الخناق ولم تستطع الهرب ، ولم يسمح لها أبو سليم بزيارة أحد من أقربائها لأنه مُـكذب لها ولا يثق بتصرفاتها ، فقامت في أحد الأيام بصب الوقود (البنزين) على ثيابها وقامت بإحراق نفسها ، ولكن سليم قام بإطفائها فنجت من موت محقق ، وبعد حوار طويل وجدل وخصام بين أبي سليم وإخوته ، قام بتطليقها ، لم يمض على زواجهما أكثر من ستة أشهر ، وبذلك خسر سمعته والكثير من ماله فداءاً لها ، وأصبح حديث المجالس لعدة أشهر في القرية .

* * *











حكايات من القرية : الامل الضائع


الأمل الضائع
لا يهيج النفس ويثيرها مثل نبش الماضي وذكرياته الجميلة والحزينة ، وقف ( الحاج صباح ) بقامته القصيرة الهزيلة والوجه الشاحب والعينين الغائرتين ،والظهر المنحني إلى شقه الأيسر ، يحمل سيكارته بيده ، وهو يثرثر بكلام اعتاد الناس سماعه منه في كل يوم في مجمع القرية ، يقص عليهم ولادته وكيف تنكر أبناؤه له ، ويشكو ظلم الحياة له وقسوتها عليه ، رجل كان ولا زال يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يقول إلا الحق ، يتصدى لكل من ينحرف عن جادة الصواب ولا يأبه بكل الانتقادات التي توجه إليه .
ولد في بيت فقير لأب وأمّ وأخوة من الأبناء والبنات ، دخل الدراسة الابتدائية فتفوق فيها جداً , ولما أصبح في الدراسة المتوسطة , توفي أبوه ولم يستطيع إكمال دراسته لكونه أصبح المعيل لهذه الأسرة , فأخذ دور والده في القيام بأمور الأسرة فأخذ يزرع الأرض ويرعي أبقاره , التحق بالجيش لأداء الخدمة الإلزامية ، فلما تسرح منها عمل سائقاً في مديرية الزراعة ، وتزوج من أخت الحاج سالم الضابط في الجيش العراقي ، وأصبح معيلاً لزوجته وأمه وثلاثة من الإخوة والأخوات , كثر خيره وتحسنت أحواله المعاشية ، إذ كان يتقاضى راتباً من عمله في دائرة الزراعة فضلاً عمّا تدره أرضه الزراعية من غلال ، وبقي هاجس إكمال دراسته في خاطره ويعتصر قلبه الألم كلما رأى شخصاً بوظيفة مرموقة ، لأنه كان يطمح أن يكون مدرساً في مدرسة القرية , ولكن هذا الطموح اندثر لفقره , وفي بعض الأحيان يقف أمام جامعة الموصل عند زيارته لمدينة الموصل ، وينظر إلى طلابها وهم يخرجون منها ويتألم لعدم إكماله دراسته، فلما أنجب كان يعلم ولده الأول قبل أن يدخل المدرسة ويقول لزوجته : إذا أكمل الولد البِكْر هذا المدرسة فالبقية سائرون خلفه , لذا يجب علينا أن نهتم به كثيراً ولا سيما دراسته وأخذ يشرف على تدريسه اليومي ويراقب جدول الامتحانات الشهرية ولما أصبح في الدراسة المتوسطة كان يوصله بسيارته إلى المدرسة , حتى أكملها وتبعه الثاني والثالث والرابع والخامس , وهو يحث أبنائه على التعليم ليكملوا دراستهم ويصبحوا كخالهم سالم فتخرج الأول ليصبح ضابطاً في الجيش العراقي ثم تبعه الثاني ، الثالث ،الرابع، الخامس ليصبحوا جميعاً ضباطاً ، أخذ يفتخر بهم أمام الأقرباء والأصدقاء وهو مسرور لان جميع آماله وطموحاته قد تحققت من خلال أبنائه الخمسة الذين يرى نفسه فيهم .
 أخذت زوجته تتكبر عليه رويداً رويداً كيف لا وهي أخت اللواء سالم وأم الضباط الخمسة وأخذت علاقتهم الزوجية تسوء يوماً بعد يوم ولا تمر ساعة من ليل أو نهار بدون شجار بينهما ، مما حدا بأبنائه أن يقوموا بنقل والدتهم إلى مدينة الموصل لتعيش مع أحدهم .
هاهي رحلة العمر قد أوشكت أن تنقضي وهاهي رفيقة العمر تفارقه وهاهم الأبناء يجحدونه ويودعونه بعدما حملوا متاع أمهم وأخواتهم الثلاثة ، وهو ينظر إليهم وقد وقف في باحة الدار الواسعة ولم تعد قدماه تحملانه ولم يستطع أن يحرك يداً أو أن ينطق بكلمة من فمه الذي اعتاد الكلام فيه ، فقال بعد عناء : ياأبنائي إنكم بعملكم هذا ذبحتموني بغير سكين  فأسألكم الرحمة أن تُـبقوا لي إحدى بناتي كي ترعاني وتؤنسني في وحدتي حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً ، فقد كنت لكم نعم الأب ، ولكنهم لم يستجيبوا له ولم يلتفتوا إلى توسلاته ، وساروا نحو السيارات واستعدوا للرحيل اعتصر الألم قلبه واستمطرت العينان الدموع المدرارة ، فما يحلو الفراق بغيرها هي ليست بدموع ، بل هي دماء القلب تنزف .
وكلما وقف في الدار ورأى الأبواب المغلقة والغرف الفارغة ، أحس بوحشة ورهبة منها ، وكأنها دار أشباح لاحياة فيها ، وكلما تلفت رأى هذا الفناء الواسع في باحتها ، وأحس بالدار كأنها كومة من أحجار ، كأنها تريد أن تأكل أيامه الباقية ، هذه الدار التي كانت عامرة تضج بشباب القرية قبل سنوات وتعمر بالخيرات وتزهو بالأفراح هاهي اليوم تصبح داراً خالية موحشة لا يقف على بابها أحد ، لا أنس فيها ، فأمسى يشعر بطول الساعات الباقية من عمره ، وراح يرقب عقرب الساعة وكأنه لايتحرك ، فيضجر من ساعات الليل الطويلة .
وطالت القطيعة وثقلت عليه الوحدة فأخذ أهل القرية بالكلام عن أحواله ونُـقلت معاناته لأبنائه ، فقاموا بتزويجه بزوجة ثانية كي تكف عنهم ألسنة أهل القرية ، إلا أن القلق أخذ يسري إلى قلبه وفقد اتزانه ورجاحة عقله بعد أن ابتعد عنه أبناؤه وأصبحوا لا يزورونه إلا في المناسبات ، ولا يمكثون عنده إلا نزراً يسيراً ، فأخذ يتحرى عنهم من خلال أصدقائهم , ليطمئن على أحوالهم وليتعرف على أخبارهم ولعلهم ينقلون شوقه إليهم والفراغ الهائل الذي يعانيه بغيابهم .
 يالها من حياة يعانيها ( الحاج صباح ) بعد كل هذا الصبر والجهد والعمل من أجل أولئك الأبناء ، الذين تخلوا عنه لا لشيء إلا لعدم انسجامهم الفكري معه ، وعدم رضاهم بما يقوله في بعض المجالس ، فتركوه في داره الطينية الموحشة التي لم يستطع العيش فيها لأنها تحوي ذكرياته الماضية فكلما استغرق في نومه يشعر كأن أحدهم يناديه(  بابا ) فيستيقظ من نومه ليجيب على هذا النداء مهرولاً نحو باب الغرفة ليقوم بفتحه فلا يرى أحدا في الدار .
اضطر أن ينتقل إلى دار شقيقه خارج القرية لعله ينسى أو يتناسى تلك الأيام الجميلة وتلك الأحلام التي ضاعت سدى في تربية الأبناء .
ومرت الأيام رتيبة كئيبة ، حتى كانت ساعة دفنه ، واصطف الأبناء ليتلقَّوا العزاء في أبيهم إلا ان كل أهل القرية لم يمدوا لهم يدا ، ولم يعزوهم .








* * *


حكايات من القرية : الحصاد المُر


الحصاد المر
كانت روحه ترفرف فرحاً كالفراشة  في الحقول فأحلامه التي بناها لنفسه ، أحلام تسير معه ليس في المنام فحسب بل في اليقظة أيضاً ، فتى بهي الطلعة مشرق الروح والجبين ، عريق النسب ، محبوب من أبناء قريته ولاسيما من كبار السن فيها فهم يحترمونه ويحبونه ويجلونه برغم صغر سنه ، شبَّ وهو يسمع حديث الثناء عليه وعلى أبيه وعلى جده وينادونه بـ( السيد ) لم يستطع أن يتمتع بصباه أو مراهقته كبقية الشباب فقد أصبح كهلاً وهو لا يزال بسن العاشرة لأنه يحمل تاريخاً عبقاً طاهراً من الأمجاد وحكايات متناثرة هنا وهناك عن كرامات أجداده القريبة منها والبعيدة ، فأهل القرية يُجلونه لأجل ذاك التاريخ .
يذهب كل صباح إلى مدرسته في القرية المجاورة التي تبعد عن قريته زهاء( سبعة كيلو مترات ) وهو يحمل حقيبته التي تثـقل ظهره من طول الطريق ذهاباً وإياباً كل يوم وهو يسير على قدميه فإذا عاد إلى البيت امتطى حماره لجلب الماء من نهر الزاب الأعلى وهو يبعد ( خمسة كيلو مترات ) عن قريته ، وهو في طريق مدرسته وفي طريق النهر يعيش أحلام اليقظة يحلم أن يكون ضابطاً في الجيش ، ويركب سيارة حديثة بدلاً عن حماره الحرون ، وأن يسكن قصراً منيفاً بدلاً من داره الطينية الخربة الرطبة ، وأن يشرب الماء النقي بدلاً من الماء الآسن من النهر ، وأن يسير في أرض معبدة بدلا من الأرض الطينية الموحلة ، فهو يتحدى كل الصعاب من أجل أن يحقق الأحلام والآمال ،  فتفوق في دراسته فهو الأول بلا منازع ولا يوجد من  يستطيع منافسته  في تفوقه هذا.
 انتقل بدراسته إلى الموصل ليكمل الدراسة الإعدادية ويسكن في حي من أحيائها الراقية في بيت لأحد أصدقاء أبيه .
وفي الإعدادية التي يدرس فيها ، تعرف حسن على أستاذ الدين ،  إمام وخطيب جامع الحي الذي يسكنه , بدأ يصلي في هذا الجامع ويحضر بعض الدروس لهذا الأستاذ , انتبه الشاب إلى أن عدداً من الجيران وسكان الشارع الذي يسكن فيه يرقبونه عند خروجه إلى الجامع وهم يجلسون في حديقة الحي التي تقع أمام داره كل يوم قبل الغروب ، كان حسن يضع غطاء الرأس ( العرقجين) على رأسه أغلب الأحيان ، فهو حريص على الصلاة ولاسيما صلاة المغرب فهو أشد حرصاً عليها من بقية الصلوات ، وحين يمر بجيرانه يسلم عليهم وكأنه يريد أن يقول لهم إنه شاب ملتزم من تلك العائلة المعروفة بالتدين ، فهو قارئ للقرآن مقيم لليل , صائم ليوم الاثنين والخميس ، لا يعيش كما يعيش شباب الحي لا يلهو كما يلهون ولا يعرف الطيش الذي يرتكبون ولا تغريه أفلام الرقص الماجنة ولا الأغاني الرخوة المائعة , فهو ليس مثلهم انه صاحب دين, فهو مُرآءٍ ولا يعرف أن تصرفه هذا الرياء بعينه .
  نجح في دراسته وأخذ بتقديم أوراقه إلى الكلية العسكرية ليحقق الطموح والأمل المنشود فدرجاته الامتحانية عالية جداً , وقدرته البدنية عالية ليجتاز كل الاختبارات بتفوق غير معهود , ظهرت نتائج الاختبارات وقد نجح بها جميعاً وبقيت التقارير الحزبية والأمنية التي سترفع عنه , فهو مطمئن لأن ليس في سلوكه ما يعيب أو يشين وليس له ارتباطات بأي جهة حزبية .
وقف أمام باب الكلية ينتظر النتائج وقد تعلق بصره بباب الكلية ينظر إلى زملائه في الصف والمدرسة يقول في نفسه : العسكرية رجولة وبسالة وصعوبة فأنا لها ، أنا ابن القرية أمشي حافي القدمين ، وأنام جائعاً اليوم واليومين , وأسير في الحقل لأسقيه في الليلة الظلماء , وأرعى أغنامي في الليلة المطيرة ، ولا أخاف الذئاب , أنا الشاعر والأديب ، أنا أولى من هؤلاء أن أكون طالباً في الكلية العسكرية, أنا خير من هذا المخنث , الذي يلبس الألوان الزاهية البنـاتـيّة , ويسكن القصور الفاخرة ويخاف انطفاء النور ولا يتحمل الجوع والعطش والسهر ولا يجرؤ على السير وحده في الليل في الصحراء ، فصفاتي خير من صفاته ، فكل صفات الرجولة متجسدة فيَّ وليس فيه شيء منها ، إنَّه رخو ضعيف هزيل , همه أكلة ، أو شربة ,أو لبسة , أو غايته لذة أو نزوة , كأنه إحدى أخواته , أنا السباح الماهر أعبر  نهر الزاب سباحة في أوج ارتفاع الماء فيه ، وأنا القناص الماهر الذي أصيد الطير في كبد السماء بإطلاقة واحدة .
 في وسط هذا الحديث الطويل مع النفس،  يُـفتح  الباب الخارجي للكلية  وتخرج منه مجموعة فيها أحد الضباط ليلصق عدداً من الأوراق فيها أسماء الناجحين وهو يصرخ بالمتقدمين  ويقول : من وجد اسمه فليدخل ومن لم يجد اسمه فقد فشل وليعد إلى بيته ، هرع حسن إلى الأسماء وقد قسمت على الحروف الأبجدية ، وهو يسال الله تعالى أن لا تضيع عليه هذه الفرصة مرة أخرى كما ضاعت سابقتاها ، ففتش في الحرف الذي يوجد فيه اسمه فلم يجده قال لعلهم اخطئوا فبحث في بقية الأحرف فلم يجده , وقف ينظر إلى زملاءه في المدرسة ، وقد وقفوا على جنب وهم يتحدثون , يتهامسون بصوت خفي مخافة أن يسمعهم وهم يرمقونه بنظراتهم , وكأنهم يقولون له : نحن خير منك أيها الفلاح القروي تريد أن تصبح ضابطاً هيهات هيهات .
هرول حسن إليهم قائلاً: بَـشّروا ؟
قالوا ظهرت أسماؤنا قال : كيف ؟ قالوا آباءنا من رجالات الحزب ، والمدافعين عن الثورة ، فكيف لا تظهر أسماؤنا ؟
غضِب حسن وكاد الدم ينبـثـق من عينيه من الغضب وقال كلمات أطلقها على سجيته ودون أن يفكر فيها من قلب ملذوع : كيف ذلك وأنا أكثر منكم معدلاً ، ونقاطي أعلى ، وتسلسلي أفضل ، وأنا اشرف نسباً ، وأمجد أباً وجداً؟
يالها من مصيبة وقعت على رأس حسن ، لا دافع لها ، ولا خلاص منها هاهي أمنيته ضاعت ، وحلمه انهار ، كان يحلم أن يكون ضابطاً كحال الكثيرين من أبناء قريته ولكنّ هذا الأمل ضاع بين ناظريه وقال في نفسه: هذه هي مصيبة الأمة ، يقدم من لا يستحق أن يقدم ، إنه الفساد والحزبية المقيتة لعنها الله ولعن من أتى بها ومن دعا إليها ، إنه فساد الضمير بثوب جديد اسمه الولاء للحزب والثورة ، فساد شكا منه الطالح قبل الصالح ، والفاسق قبل الناسك ، لماذا كل هذا الفساد ومن أجل من يضيع الوطن ؟
لقد كرر المحاولة لثلاث مرات ، وفي المرة الثالثة ، كان من سعى بأمره رجل في أعلى المستويات في الدولة بعد ذهاب أبي حسن إليه لغرض التوسط لابنه حسن وهو بذلك يريد سداد دين أسداه أبو حسن في الماضي لعائلة هذا المسؤول .
أخذ ينتظر ظهور النتائج وياله من انتظار مرير ، ويحدث نفسه ماالعمل؟  ماذا لو لم أقبل هذه المرة كذلك ؟ ماذا لو لم يظهر اسمي ؟ فماذا أفعل ؟ عاش قلقاً حائراً، دخل فراشه وهاجس الفشل أمام ناظريه ، رأى في منامه أن الأسماء تظهر واسمه ليس فيها ، انهارت الدموع من عينيه ، دموع تجري جياشة مضطرمة ، وعلت زفراته وكثر أنينه ، استيقظ من نومه مذعوراً ، يرتجف خوفاً وفزعاً ، فقال : الحمد لله إنه مجرد حلم والأحلام في بلادي لاتـتحقـق أبداً .
بعد أيام ظهرت الأسماء  ، واسمه لم يظهر مرة أخرى في سجل المقبولين في الكلية من جديد ، هرع حسن إلى المسؤول وأخبره بعدم ظهور اسمه في سجل المقبولين ، فوعده المسؤول بمعرفة السبب وإن كان سبباً لايمس أمن الدولة ، سيظهر اسمه في الملحق الذي تصدره الكلية في كل سنة ، بحث المسؤول عن إضبارة حسن فوجدها وقد كتب على غلافها مرفوض ( التوجه إسلامي ) غير سائر في خط الحزب والثورة .
فتح الإضبارة فوجدها مليئة بالتقارير السرية عن نشاط حسن ، وقد اتفقت جميعها على كلمة واحدة هي: ( شاب مستقيم الخلق من عائلة طيبة دينة مشتهرة بالصلاح ، ذو توجه إسلامي ، يرتاد المسجد كثيراً ، ويلتقي بشيوخه ، محافظاً على صلاة الجماعة ولا سيما صلاة المغرب ، إنه إسلامي ) ، شعر حسن أن خنجراً مسموما دق بين أضلاعه مع كلمة سمعها ، وأحس كأنه يختنق وكأن سقف الغرفة قد أطبق على أرضيتها .
أصبح الشاب إسلامياً دون أن يعرف من هم الإسلاميين ، يُحرم من القبول في الكلية العسكرية لا لشيء إلا لأنه من شباب المساجد المستقيمين ، ومن المحافظين على الصلاة فيها ، دون النظر إلى عبادته ، إلى خلقه ، إلى عائلته ، فأخذت أحلام حسن تتهاوى ، كما يتهاوى الصخر من أعلى الجبل ، ونار الفقر والبؤس ، تحرق قلبه ، كَـرِه النظام ورجالاته ، وهذا الكره في كل يوم يكبر في صدره ، ولهيب الغيرة تسعر في قلبه ، وسخرية الأقرباء الفاشلين من زملائه تتهاوى في أذنيه كأنها نار منبعثة تطلق من أفواه الحاقدين .
ياألله بجرة قلم من حاقد حاسد فاسد ، بجرت قلم من مرتشٍ ، لم يفرق بين المصلي الحقيقي والمصلي المرائي ، تعساً لتلك الأقلام التي لا تسطر إلا مافيه خبث وتجسس على أبناء جلدتها ، تعساً لتلك الأقلام التي لا تكتب إلا عن من اتصف بصفات الأخلاق والدين ، وتحلى بالفضيلة والرجولة ، فتعساً لهذه الأقلام التي أراقت دماء الأبرياء ، وهجرت الأتقياء ، وأضاعت أحلام حسن ومن خلفها البلاد .
***