الجمعة، 8 يونيو 2012

حكايات من القرية : الابن البار بابيه


الابن البار بأبيه
هَـدّهُ المرض والتعب في عمل الأرض ، وأتعبه ابنيه الأكبر  محمود والأوسط حامد  لعدم طاعتهم له وعصيانهم وعدم مؤازرته في عمله الذي يحتاج إلى جهد عضلي وتحمل للمشاق ، فاستقل الابن الأكبر عن أبيه في بيت مستقل تاركاً الوالد يعاني من فقره مع أخويه وعوائلهم ، وأما الابن الأوسط حامد لا هم له سوى ملذاته الشخصية .
 أما الابن الأصغر  حسن كان محباً لأبيه مطيعاً له براً به لايعصي له أمراً أبداً ، حمل أعباء العائلة بعد مرض أبيه ليعيل أمه وأباه وزوجته وأطفاله فضلاً عن عائلة أخيه الأوسط حامد الذي يكبره سناً ، بدأ يعمل بجد فهيئ الله له أن يزرع أرض أبيه في احد المواسم ليحصل منها على مال وفير ، بدأ بالزراعة بعد استئجار الأراضي من قبل الفلاحين في القرية ليقوم عند جنيه للمحصول وقبض ثمنه بتسليمه لأبيه المريض ويبقي لنفسه القليل من المال الذي يبدأ بالزراعة به من جديد ، ولا ينال لنفسه من هذا المال إلا الفتات القليل .
كان حسن سعيداً في بيته منسجماً مع زوجته موفقاً في كسبه مطيعاً لربه براً بأبيه ، وقفت زوجته ذات مرة أمام أبيه وتقول له انصف حسن فهو الذي جمع المال ، وأخذت بالدفاع  عن حق زوجها  الضائع ، فكان الأب يردد دائماً ويقول : أنت ومالك لأبيك .
بُـحَّ صوتها وكلت قواها ، ولكن دون جدوى ، غضب على هذه المسكينة كيف تجرؤ أن تكلم أباه حول حقه الضائع ، ولعنها ولعن القدر الذي ألقى بها في طريقه ولعن اليوم الذي تزوجها فيه ، نشب الخلاف بينهما وأرادت أن تذهب إلى أبيه فقام بشدها من شعر رأسها حتى أدخلها البيت ليأخذ في تأنيبها على رفع صوتها أمام أبيه .
فقالت : إلى متى تبقى نائم والنار تسري في بيتنا ؟ الكل يعد العدة لما بعد وفاة أبيك ، فسيأتي عليك يوم قريب يُخطف مالك أمام ناظريك من منزلك وستعود إلى عهدك السابق فقيراً تعاني الفقر والعوز ، ولا أحد يمد لك يد العون ، كيف أستطيع أن أفهمك الأمر أيها الرجل الطيب أن من العار أن تستمر في حالك هذه ليس كل البشر بمروءتك وشرفك ونبلك وإيثارك .
طلب منه والده بطردها من البيت ففعل لأنه لايريد إغضاب أبيه المريض ، فكان يقول دائماً : لست أدري من أين أتت بهذه القوة وأي عاصفة من المشاعر كانت تحمل لي هذه الزوجة الطيبة . 
مرت الأيام على هذه الزوجة وهي بعيدة عن زوجها وأبنائها الثلاثة في كل يوم تخرج لتستند إلى جدار بيت أهلها وهي تنظر إلى زوجها وأبنائها الثلاثة الذين يلعبون أمام ناظريها ولكنها لا تستطيع ضمهم الى صدرها وهي تسأل عنهم كل غاد ورائح من أهل القرية كيف هم هل يعانون من مرض ما هل يعانون من الجوع ؟
وكلما كلمه أحد حول زوجته يقول هذا أمر أبي ولايوجد شيء بيدي ، فما أكثر الأعذار التي كان يجدها لنفسه ويبرر فعلته تلك ، وإذا أتى الليل لا يستطيع الرقود في فراشه ثم يؤثر النهوض منه فينزل عن سريره ويأخذ بالسير خارج القرية ليعود في صلاة الفجر فكل من ينظر إليه يعتقد انه يتفقد زرعه ولكنه الحزن والألم على فراق زوجته الحبيبة ، وفي الصباح يعود إلى داره لينام ويخرج في المساء ليمشي بين حقول القرية من جديد هذا دأبه في كل يوم شوقاً وألماً على مافعل بزوجته التي دام فراقه لها ثلاث سنين .
توفي أبوه بعد صراع مع المرض دام لأكثر من خمس سنوات ، وبعد أيام رأى شيئاً عجيباً ، ماكان يظن أن مثله سيقع في يوم من الأيام ،رأى الذئاب تكشر عن أنيابها وتستولي على الحاصدة والساحبة والسيارات وتسوق قطيع الأغنام أمام ناظريه فوقف لحظة يرقب مايحدث من بعيد .
أيقن أن ماقالته زوجته صحيحاً وان أخويه على جانب كبير من سوء الخلق ، اضطر اضطراراً أن يدافع عن نصيبه في مال أبيه ـ الذي هو من كسبه وليس من كسب أبيه ـ فجاء إلى إخوته وحدثهم مبيناً ومذكراً أن هذا المال ماله وليس مال أبيه ، ولكنهما رفضا سماع قوله هذا فقال : إن أبيتما ذلك ، فالنقم بتقسيم المال قسمة شرعية وكل واحد منا يأخذ نصيبه ؟ ولكنهما رفضا ذلك وقالا : ما أخذته في السنوات الماضية هنيئاً لك به وهذا نصيبنا الآن ولا شيء لك به .
وبين لهم أن هذا الأمر لا يقره الله ولا يرضاه شرع ولا يجيزه قانون ولا يقره عرف ولا تستسيغه كرامة إنسان فبعملكم هذا ستنالون الخزي في الدنيا والآخرة .
سرت أفكار شريرة في عقل حسن ماذا يفعل وليس عنده مال ؟ ومتى ياترى يعود إليه حقه المغصوب ؟
بقي ليلته مستيقظاً يتقلب في فراشه وزوجته تحاول تبديد مخاوفه من المستقبل ونسيان الماضي والبدء من جديد سمع نداء الفجرـ الله اكبر الله اكبر ـ  أخذ يصرخ : الله اكبر على الظلم والتجبر ، ثم ذهب ليصلي الفجر في المسجد كعادته ، فلما عاد إلى بيته قالت له زوجته : لكل جواد كبوة ، ولا يوجد رجل لم يغلب في يوم من الأيام يغصب ماله أمام ناظريه  ، وليس العار أن تغلب ياحسن ولكن العار أن تجزع وان ترضى بهذا ، العار هو أن لاتسترجع حقك المغصوب ولا تعاود الكفاح في الحياة من جديد ولقد مرت علينا أيام قبل غنانا أصعب من هذه الأيام وأشد قسوة ألا تذكر فتجاوزناها سوية وجمعنا من المال ماجمعنا .
أجهش حسن بالبكاء ، وأخذ يلعن تلك الأيام والسنوات التي قضاها في بر أبيه ، قالت له زوجته : لا تجزع ولاتندم كثيراً على ضياع المال بل الخسران الأكبر ، فالمصيبة الكبرى أن تندم على برك لأبيك فيحبط عملك وتخسر إيمانك ونفسك وتاريخك العبق  ، ولا تنسى أن للكون خالقاً مدبراً يحكم بين عباده في الدنيا والآخرة .
قال حسن : لقد هزمت وأصبحت سخرية لكل أهل القرية .
قالت : كلا لم تهزم لأنه لا زالت فيك الأخلاق الطيبة والثبات على الحق فأنت على الحق فاثبت عليه .
فقال : لماذا أعمامي لايجردون ألسنتهم في نصرة الحق والدفاع عنه لماذا يأخذون بالصمت كلما حدثتهم  في ظلم إخوتي لي ؟
قالت : إذهب واطلب نصيبك من أخويك ولاتخجل ولاتذل أمامهما ولاتحن رأسك من ثقل أنظارهما إليك احتراماً لهم ، فانك إن فعلت ذلك أغريتهما بك ، وجرأتهما عليك أكثر ، وارفع صوتك في وجوهيهما طالباً نصيبك ومالك الذي سرقاه أمام ناظريك .
حمل حسن عصاً بيده ودخل مضيف أخيه لمح بريق الكره في كل عين نظر إليها ، كيف لا وقد أبصر هذا الكره وعرفه منهما خلال ظلمهما إياه ،  طلب حقه منهما ولكنهما رفضا إعطائه إياه ، قفز حسن قفزة واحدة وضرب الأخ الأكبر محمود على رأسه فخار وسقط وأردف ذلك بعدة ضربات لينطلق إلى أخيه الثاني فيوسعه ضرباً ، وهو يصرخ بهما كنت حسن الطيب بالأمس ، أما حسن اليوم فسوف ترونه أيها الجبناء ، أخذت الدماء تسيل من رأس وأنف أخيه الأكبر محمود وبدأ يسب ويشتم وازدحم أهل القرية وراء باب المضيف وماكاد يضع احد منهم قدمه داخل المضيف حتى أتته ضربة من حسن أعادته إلى الخلف من جديد .
انبرى رجل وجيه وهو مطمئن إلى وجاهته،  وقال : دعهم يخرجون أما ترى أنهم ينزفون دما سوف يموتون .
فاحتد حسن وكاد الدم ينبثق من وجنتيه من الغضب وكادت عيناه تخرجان وقال : لا حتى يعيدا إليَّ مالي وأرضي التي اغتصباها مني ، وبعد أخذ ورد مع الوجيه خارج المضيف أصر حسن على رأيه وقامت قيامته فتعهد له وجهاء القرية إن أبقاهم على قيد الحياة أن يحصل على نصيبه من إرث أبيه خرج حسن من المضيف وخرج الأخ الأكبر محمود يقفز على قدم واحدة لان حسن كسر له الأخرى و كسرت يده وشج رأسه فضلاً عن إصابات أخرى متفرقة في جسده أما الأخ الأوسط حامد فكسرت أسنانه وأنفه وشج رأسه وكسرت إحدى يديه لأنه كان يتقي بها ضربات حسن القوية .
فأذعن الأخوان لمطالب حسن وقسم الإرث بينهم بالسوية ، ولكن هذا الحادث تسبب بقطيعة لازالت مستمرة ، هذه الحكاية ليست حكاية حسن فحسب بل هي حكاية كل ابن بار في بلاد المسلمين بين إخوة لا يعرفون حقاً إنها أثر من آثار كساد المروءة وانحطاط الأخلاق وسوء الخلق بين الناس .


***





حكايات من القرية : الرجل الذي ينتظر أجله


الرجل الذي ينتظر أجله
في شهر رمضان المبارك وعلى أبواب عيد الفطر ، أصاب القرية مرض فتاك نشر الرعب بين أفرادها ،  فمات العديد من الرجال والنساء والأطفال بسببه ،كان البلاء على أشده ، وكان مشهد الموت يتكرر في كل يوم قتل المرض جميع أفراد أسرته من الرجال ،  مات أبوه وبعد أيام قلائل مات عمه ثم أخوه الأكبر ، لم يبق من العائلة سواه وأخوه الأصغر .
أصابه المرض ، أيقن الفتى الصغير ( علي ) الذي لم يبلغ الحلم بعد ، أنه ميت لا محالة ،إن المصائب التي نزلت بأسرته اكبر من أن يحتملها هذا الفتى الصغير ، فهده المرض ، كانت أمه تبكي عليه كثيرا وهي تقول له متى تقف على قدميك وتستطيع الاعتماد عليهما في المسير إنها تخشى عليه من الموت .
دخل داره رجلان يلبسان لباساً أبيض اللون وعلى محياهم سيما الصلاح وهو لا يعرفهما ، قال في نفسه إنهما رسولا ربي لأخذ روحي ، أسرع ( علي ) بفرش سجادة أمه وأخذ يصلي بغير طهر وكان لايعرف كيف يصلي لأنه لم يسجد لله مرة واحدة ، أطال قيام صلاته وركوعها وسجودها خوفاً منهما، ولم يسلم بين كل ركعتين بل صلى أكثر من عشرين ركعة بلا تسليمة ، فقالا له : أخرج من الصلاة عندنا كلام معك ولكنه رفض الخروج ورفع لهما كتفيه ، علامة على رفضه .
كان يرقبهما ويختلس النظر إليهما بين حين وآخر مخافة أن يهجما عليه ، وكان يخشى أحدهما حين رأى فيه غلظة فإذا وقع نظره عليه اقشعر جلده وقف شعر رأسه ، غضب أحدهما وقال للآخر : لننصرف ، دعه الآن إنه مريض مسكين ، فإذا تشافى من مرضه عدنا إليه من جديد ، ولكن صاحبه ( الذي يخشاه علي ) رفض ذلك بل أصرَّ على البقاء وبعد فترة قالا له : لو بقيت تصلي خمسين سنة فنحن قادمان لأخذ روحك كما فعلنا بأبيك وعمك وأخيك  ، خرج عن صمته المعهود وقال لهما: سأبقى أصلى خمسين سنة ولن  تستطيعا أخذ روحي في صلاتي .
قال أحدهما : أبق صل ستين سنة ، ثم انصرفا خارج الدار .
فقال علي : ياالله لو أخذا روحي كيف كان حالي ، كنت أموت عاصياً لله سبحانه وتعالى وسيكون مصيري جهنم ، إنهما سيعودان عمّا قريب واني لاحق بابي وعمي وأخي ، أخذ يصلي ، متمسكاً بصلاته ، وتعلم القرآن وأصبح إماماً وخطيباً للقرية ، فكان يترك فراشه الدافيء في الشتاء ويسير في أرض موحلة وربما يسقط على الأرض ،  ليؤذن في مسجد القرية الصغير لصلاة الفجر ، فكان يؤذن ويصلي وحده إلا نادراً لسنوات طوال .
تزوج من ابنة عمه التي تكبره بعشر سنين ، فتكاثرت عليه النعم ، فإذا مرض وعاده أحد أفراد القرية كان دائماً يقول : لن أموت الآن لم أبلغ الخمسين سنة ، بعد مرضي ذاك ، إني أعرف أجلي ، فلما بلغ الخمسين بعد تلك الحادثة استعد للقاء الملكين الكريمين ، وهو يقول : أنا انتظر رسل ربي مرحباً بهم متى قدموا إليَّ أنا بانتظارهم ، لذلك كان يبقى دائماً على طهر .
صلى صلاة الجمعة في مسجد القرية ، حمل إبريق الماء وأخذ يتوضأ لصلاة العصر ، فلما أكمل وضوءه ، سقط على الأرض أمام أنظار أسرته ، هرعوا إليه أخذوا بتقليبه ولكن لا حراك له ، كان مشيراً بسبابته كأنه تلفظ بكلمة التوحيد قبل وفاته ، فارق الحياة ذهبت روحه إلى بارئها بعد انتظار لأجله ورسل ربه لستين عاماً لقد تحقق اللقاء الذي دام طويلاً ، لقد كان يردد هذه الحكاية على مسامعنا كثيراً في كل مجلس عزاء ، ثم يردف ذلك ويقول : أنا انتظرهما .
***

المرابي المرائي


المرابي المرائي
ما إن يدخل رمضان من كل عام إلا ويعود الآلاف من أبناء المسلمين إلى دينهم من جديد ، دخل رجل يرتدي زيا شبابيا عيناه واسعتان بارزتان إلى الأمام ورقبته طويلة ورأسه أصلع طويل القامة اسمر البشرة تعتري ملامحه قسوة ، من نظر إليه شعر أنها مستمدة من قسوة قلبه ، يركب دراجة نارية  يطوف بها الطرقات من رآه أشفق عليه كثيراً ظاناً انه من الفقراء المعدمين .
كان يسير إلى جنب أحد المساجد سمع مؤذن المسجد يقول رحم الله من نوى نية الصيام ليوم غد ورأى الناس تتقاطر مسرعة للدخول إلى المسجد دخل مسجد الحي في رمضان وتوجه إلى محلات الوضوء ليتوضأ بسرعة مخافة أن يراه احد لأنه لا يعرف كيف يتوضأ ، ووقف في الصف ليؤدي الصلاة وهو يرتجف لأنه لايعلم كيف يؤديها ولأول مرة توجه بقلبه إلى بارئه ، ليناجيه من خلالها ، ما إن وضع رأسه على الأرض إلا وأجهش بالبكاء ، وهو يردد الهي عصيتك كل هذه السنوات وأنت تكلؤني بنعمك تطعمني وتسقيني .. الهي اني أضع رأسي اليوم معلنا خضوعي لإرادتك وانقيادي لما شرعته لعبادك .
قام المصلون وهو لازال ساجد لله نزعه من كان على جنبيه ليتدارك مافاته من الصلاة انتبه إليهم ولحق بهم والدموع تنهمر من عينيه تتساقط على الأرض كأنها حبات من الخرز المتلألئ ، أكمل الصلاة رفع يديه الى السماء الهي أرجو عفوك ياواسع المنن جد علي بتوبة جد علي برحمة نجني من عظيم ذنبي الهي ... أدى تلك الصلاة وشعر بحرارة الإيمان تدخل قلبه شعر كأنه في عالم أخر غير العالم الذي اعتاد العيش فيه .
أين أنا هل أنا في حينا ؟ رأى المصلين وهم يقبل احدهم الآخر ومهنئا  بقدوم شهر رمضان المبارك.
خرج معهم من صلاة التراويح مرتاح النفس مشرق الجبين قال في نفسه آه آه وأسفاه على هذه السنوات وعلى هذا العمر الذي ضاع في معصية الله .
بدأ يرتاد المساجد ويحافظ على صلاة الجمعة فقط وفي إحدى الجمع تحدث خطيب الجامع عن الربا وكيف أن الله حرمه على المسلمين ،  وماهي عقوبة المرابي جاءته لحظات إيمانية بعد سماعه هذه الخطبة فأراد ان يكفر عن ذنبه الماضي إذ أودع مدخراته في احد البنوك  واخذ يتقاضى الفوائد الربوية عنها السنوات طوال .
بدأ باستشارة العلماء وأرشدوه أن يتخلص من تلك الأموال الربوية عدَّ الفوائد التي جناها من هذه الأموال وإذا بها عشرة ملايين دينار فقرر الخلاص منها .
فأخذ يجاهر في الإنفاق بنقود قليلة أرشده إمام المسجد إلى عائلة فقيرة وأرشده إلى يتيم فقير مريض بمرض القلب لا يستطيع إجراء العملية الجراحية .
طرق باب الأيتام خرجت امرأة رثة الثياب نحيلة الجسم غائرة العينين ، وخرج خلفها طفل صغير بالكاد يستطيع ان يقف على قدميه ، ودخل لم يجد شيئا ثمينا في بيتهم ، قال إمام المسجد لإم الأيتام إن الحاج يريد أن يتكفل بنفقات علاج ابنكم المريض فرحت فرحاً شديداً وأخذت تبكي وهي تدعو له  .
بعد يوم أو يومين رفض مدعياً انه لايستطيع إنفاق مثل هذا المبلغ على عائلة واحدة ، طلب الإمام منه مبلغاً للعائلة ولكنه لم يواسهم ولو بدينار واحد .
وبعد كل صلاة جمعة يقف أمام المصلين ليقول : أين الفقير الفلاني الذي جاء إلى حينا لطلب المساعدة لم يحتمل الإمام هذه التصرفات منه بين له إن ذلك لايجوز وهذا من باب الرياء ولكنه لم يردع وفي إحدى الجمع ما أن قال أين الفقير وقبل أن يكمل انفجر الإمام بوجهه واخذ يصرخ أيها المرابي لم تخرج من باب الربا ودخلت باب الرياء .
ركب دراجته النارية وولى مسرعاً من أمام المسجد ليتردد إلى مساجد أخرى ويختلق لهم مشاكل أخرى ولازال يحتفظ بالأموال الربوية وأضاف عليها محرمات أخرى .
***











حكايات من القرية : قاريء الليل


قارئ الليل
هذه حكاية رجل أغرب من الخيال اتصل قلبه بربه عز وجل مؤدياً للفرائض محافظاً على النوافل ، فإذا خرج إلى عمله دعا الله مخلصاً أن يفتح عليه رزقه ليعيل أطفاله الصغار .
كان يستيقظ من الليل ليؤدي صلاة الليل حتى صلاة الفجر ثم يصلي في مسجد القرية الصغير الملاصق لداره ثم ينطلق إلى عمله وفي بعض الأحيان ينطلق قبل ذلك الموعد بقليل .
وفي ليلة باردة طويلة من ليالي الشتاء وبعد أن توضأ قام يصلي الليل كعادته وضاق صدره من فقره الذي جعل حياته لا تطاق وجعل داره الواسعة ضيقةً عليه ، كأنها جحر ضبٍ وهواؤها العليل كأنه يتنفس فيه من ثقب إبرة  لا غير  .
دخل المسجد فرأى المصحف الشريف يعلوه التراب وكأنه لم يُقرأ فيه منذ أشهر هزه الأمر وقال : ويحهم يعرفون القراءة والكتابة ولا يقرؤون كلام الله فأخذ ينفض التراب عنه ويدعو الله تعالى أن يرزقه قراءة كتابه ، فتح المصحف وأخذ ينظر فيه والدموع تنهمر من عينيه حتى بللت ثوبه .
أخذته إغفاءة من نوم وسقط رأسه على المصحف ، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه هذا وهو يقول له : أتحب أن تقرأ القرآن يا أبا عادل .
قال : نعم أمنيتي في الحياة ولا أمنية لي سواها .
 قال : يا أبا عادل قم واقرأ القرآن .
قال : أنا لا أعرف القراءة ، من أنت أيها الرجل الطيب فسيماك سيما الصالحين.
 فقال له : ويلك يا أبا عادل أما عرفتني أنا الذي تصلي عليه ألف مرة قبل أن تنام.
قال : مسرعاً متشوقاً أنت حبيبي رسول الله فوالله إني لأحبك يارسول الله أكثر من نفسي وأهلي .
 فاستيقظ الرجل من نومه مذهولاً يالها من رؤيا لو كانت صادقة ، أخذ ينظر إلى المصحف الذي أمامه وإذا به يجيد القراءة والكتابة فأخذ يبكي بكاءً شديداً وهو يصلي على رسول صلى الله عليه وسلم ويقول روحي فداء لك  يارسول الله .
جاء إمام القرية إلى المسجد ورآه يقرأ القرآن ويبكي .
 قال : يا أبا عادل أراك تفتح المصحف وتقرأ فيه وأنت لا تجيد القراءة والكتابة ؟
 قال أبو عادل : علمني الذي علمك ؟
ثم ضحك وخرج مسرعاً إلى بيته ليخبر زوجته ، أيقظها من نومها فاخبرها .
قالت : نم ياأبا عادل رؤيا خير إن شاء الله .
قال: يا امرأة إنها حق أنا اقرأ كتاب الله .
فقالت له : اكتم ذلك ولا تخبر به أحداً فإني أخشى عليك من الحسد .
فلما سمع نداء الفجر فتح باب داره وخرج مسرعاً فرحاً لهذا العطاء الرباني وهو يردد الأذان مع المؤذن .
ثم قال لإمام المسجد : أنت مدعو اليوم عندي بعد صلاة الظهر .
فقال الإمام : ما المناسبة؟ .
 قال : سأخبرك بها عندما تأتي اليوم  .
قام بذبح خروفين بعد أن استدانهما من أحد الرعاة وعمل وليمة لأهل القرية ، فلما حضروا ، قالوا له : ما المناسبة ؟.
قال أبو عادل : إنها قصة أعجب من الخيال أرجوكم صدقوني ولا تكذبوني فانا لا اكذب والله جاءني الرسول صلى الله عليه وسلم في الرؤيا قال لي : اقرأ القرآن يا أبا عادل وأنا منذ اليوم أصبحت اقرأ القرآن ،  أسرع إلى المسجد وجاء بالمصحف ثم فتحه وقال : أشيروا عليَّ في أي صفحة تريدون أن أقرأ لكم فيها .
فعلا هتاف الحضور بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا أصبح أبو عادل قارئاً للقرآن ولم يترك قرأته له من بعد منتصف الليل حتى الفجر إلى زماننا هذا ، وفي ذكرى المولد النبوي الشريف كل عام يذبح شاتين ويدعو أهل القرية احتفالاً بمناسبة مولد الرسول الله صلى الله عليه وسلم .
إنها الدنيا الماكرة الخادعة التي وصفها الله تعالى بقوله : )أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ( ، افتتن الرجل وانصرف إلى الدنيا وأخذ بجمع الأموال للأولاد وزوجته تقول له : يا أبا عادل أذكر عطاء الله لك ، وكان دائماً يردد :
قالوا تزوج فلا دنياً بلا امرأة


واتق الله واقرأ أي ياسينا

فلما تزوجت طاب العيش لي وحلا


وصرت بعد وجود الخير مسكيناً
 
جاء البنون وجاء الهم يتبعهم
 

ثم التفت فلا دنيا ولا دينا
 
فقالت له زوجته يوماً أمام حشد من الناس : ياأبا عادل أين عذوبة نفسك ومرحها وطيبة قلبك الذي ولّد حُبَّ أهل القرية جميعاً لك ، وضع  يده على وجهه وأخذ بالبكاء وهو يقول : ياليت أمي لم تلدني .
بقى منصرفاً لجمع المال ، جاءته لحظة إيمانية خشع فيها قلبه لله تعالى ودمعت عيناه واقشعر جلده , ووقف يناجي ربه على هذه السنوات التي ضاعت ولم يؤدّ فريضة ربه بالحج قضى ليلته تلك باكياً .
 جلس في الصباح على مائدة الإفطار , متجهم الوجه متحير الخاطر لايستطيع أن يتناول طعامه لما أصابه في ليلته من الشوق إلى الديار المقدسة .
كانت قسمات وجهه متعبة لم يفارقها النعاس وعيناه قد أحمرتا من البكاء , وأشرقت نفسه ورسمت البسمة على محياه منظراً رائعاً ثم قال : سأذهب إلى الحج هذه السنة مع أمكم يا أولاد .
حمل أوراقه وذهب إلى دائرة السفر والجنسية ليستخرج جوازاً للسفر لغرض التقديم للحج , وقف في طابور الرجال الطويل أمام إحدى نوافذ الدائرة ، حدثنه نفسه , لماذا تذهب وتنفق نقودك وتتعب جسدك وأنت من أنت فلا يوجد في القرية من يقرأ القرآن في الليل غيرك , اعمل بهذه النقود مشروعاًً لأحد أبنائك , فخرج من الطابور وذهب إلى زوجته في طابور النساء .
فقال أرى أن نعود إلى البيت فجذبها من ردائها قائلاً : امشي أمامي عافاك الله وهداك ولا تتكلمي شيئاً .
قالت له زوجته : ما بك يا رجل ؟
قال : لن اذهب إلى الحج في هذا العام .
أخذ يمسح شاربه ويوازن عقاله على رأسه كعادته إذا انتابه شيء من الحرج ، ثم انصرف يمشى بقامته المنتصبة وقد التحف بفروته الطليانية الثمينة التي كان يلبسها في المناسبات وفي حال خروجه من القرية , أما زوجته فلم تتمالك نفسها فاجتاحتها سحابة بكاء وغارت عيناها في لجة الدموع المنهمرة .
قالت له : أين قلبك الطهور ونفسك الصافية ونيتك السليمة , وثقتك بربك ويقينك به ؟ أرى  أن كل هذا قد اختل فلماذا ياأبا عادل إني أخشى كثيراً عليك بعد اليوم .
خرج عن صمته المشوب بالحذر وأخذ يتكلم عن سنوات من العمر مضت في فقره وعدم احترام الناس له , ثم أردف قائلاً : أنا اليوم أملك المال أنا أبو عادل .
عقدت المفاجأة لسان زوجته من قوله هذا ولكنها استطاعت الكلام بعد طول صمت قائلة له : اتق الله لقد أعطاك الله القرآن ورؤية رسول الله ، ثم رزقك المال الوافر والأولاد بعد طول انتظار لهم ، يالك من جاحد لعطاء ربك لك فو الله سوف تحرم من هذا الحج طول حياتك خذ المال واخسر إيمانك .
هرع إليه الأبناء ليروا ماذا فعل وأخذوا يطرحون عليه أسئلتهم ولكنه لايجيب , أيقنوا أنه استخرج جوازه , مدت إحدى بناته يدها إلى جيبه وهي تضحك تبحث عن جوازه وتقول له : أين هو أبي دعنا نراه .
صرخ في وجهها وضرب يدها ثم أردف قائلاً : لم أُخرجه وصرفت النظر عن الحج .
قال الأولاد : عجباً من أمرك ياأبي ؟ الست في الصباح قررت الذهاب إلى الحج ؟ يا أبتِ إنه الحج لايعد له شيء ؟ ثم مد يده إلى جيبه ليخرج نقوده وهو يدافع ضحكة هادرة ، وهل تراني مجنون أو في إيماني نقص حتى أكمله اعلموا أن إيماني بالله كالجبال , إن الفرق بيني وبين من ذهب إلى الحج  هذه الحجية فقط – قطعة قماش توضع على رأس من يذهب إلى الحج سابقاً – لا أريد الحجية سكت الأبناء ولم يجيبوه ، وبدأ يختلس النظر إلى وجوه أهل الدار ليتخلص من هذا المأزق الذي وضع نفسه فيه .
 كثر اللغط في المنزل وعلت الأصوات فقالت له زوجته : ياألله في الصباح تُقدم لتؤدي فريضة الله  وفي المساء تنكص على عقبيك ويلك لا جزاك الله خيراً على فعلك هذا .
فقال الأبناء: لماذا ياأبتاه ؟
قال : إن ابني عادل أحق بهذا المال من ذهابي إلى الحج سأشتري له سيارة حمل كبيرة ليعمل بها وهذا خير من ذهابي إلى حج بيت الله ، إنني مستقيم والحمد الله وأنا حجي وإن لم أحج أمن أجل أن يقال عليّ الحاج ، أخسر هذه النقود الكثيرة ، فوالله لن أفعل ذلك أبداً .
كلما عاد ولده (عادل ) من عمله وأوقف سيارته أمام داره يخرج أبو عادل ليقول : أنا في كل يوم أحج بيته .
فردت عليه زوجته : خسرت حجك وفرقت بين أبنائك , لابارك الله لك , واستمر في قوله هذا في كل مجلس ولا ينجع معه كل دواء ولا يرده أي قول أو تذكير بهذه الفريضة العظيمة إن هذا المشهد يتكرر كثيراً  في زماننا هذا في كل أرجاء أرض الإسلام .

 ***



حكايات من القرية : المتحابان في الله


المتحابان في الله
يمتاز بالفكاهة والمرح وعلى شفتيه ابتسامة لا تفارقهما فهما دائمتا الانفراج ، إذا سار بين أرجاء القرية وأزقتها يعلم به كل من كان في بيته إنه في الشارع يسير الآن ، وذلك لامتيازه بميزة يحمل في يده مكورا يضرب به على جدران البيوت التي يمر بها ثم يصدر صوتا ـ يتنحنح ـ الكل يعرف موعده بعد صلاة المغرب بقليل يذهب إلى مضيف الحاج متعب ، وبعد صلاة العشاء بقليل يعود إلى بيته من جديد ويفعل في طريق عودته كما فعل من قبل في ذهابه إذا دخل المجلس ـ المضيف ـ لا يجلس إلا قرب الحاج مصطفى مُقبلاً إياه قبل جلوسه مرت سنوات وضربت أخوتهما في أعماق الأرض جاء في أحد الأيام ودخل المجلس كئيب الوجه فاتر التحية ليس كعادته في إلقائها. 
وقف فوق رأس الحاج مصطفى ثم قبله من جبينه قائلاً : مصطفى إني أحبك ، ثم جلس في مكانه ، بعد برهةٍ من الزمن قام من جديد وقبله مرةً أخرى قائلاً : مصطفى إني أحبك ، ضحك من في المجلس ظاناً أنها سخرية من سخرياته التي اعتاد عليها ، ولكن هذه المرة  نبرةُ صوته وملامح وجهه المتجهمة توحي بأمر آخر .
قام مرة ثالثة ليقبل الحاج مصطفى ، فقال له الحاج مصطفى : اجلس يا نايف ما بك ؟
قال نايف : والله إني يا مصطفى احبك .
أراد الخروجَ قبل موعده الذي اعتاده في كل مرة خرج إلى باب المضيف ثم عاد إلى الحاج مصطفى ليقبله من جديد ولكن الحاج مصطفى قام وتعانقا وأجهش نايف بالبكاء ثم قال : أخوي محالل ماهوب دنيا وآخره ، ثم أردف قائلاً: إني لا أخشى الموت إنه حق ولكن الذي آلمني شيءٌ واحد هو فراقك يا مصطفى وطفق نايف يرسل القبلات على جبين وعلى خدي الحاج مصطفى .
شعر كل من في المجلس أن هذه القبلات هي قبلات رجل مودع وان هذه الدموع التي ذرفها ما هي إلا آهات رجل مفارق ، رجل كل ما يخشاه اليوم أن يفارق حبيبه الذي أحبه منذ زمن طويل،  خرج إلى باب المضيف ثم عاد ليقف بوسطه مشيراً بمكواره ـ الذي اعتاد حمله بيده ـ إلى الحاج مصطفى قائلاً : إني احبك وأجهش بالبكاء مرة أخرى ثم تعانقا من جديد أبكى هذا التصرف من كان بالمجلس فقال : كل حبلٍ مآله الانقطاع وكل حيًّ مصيره الممات .
فقالوا له : لا تقل ذلك .
قال : يا جماعة أشعر أنَّ أجلي قريب وأخشى أن لا ألقي أخي بعد يومي هذا وأجهش الحاج مصطفى بالبكاء ليقوم باحتضانه من جديد.
 فأخذوا يؤنبونه على فعله هذا .
قال : دعوني أجيش بكل ما في صدري وبكل ما تضطرم به نفسي فاعفوا عني هذه المرة , وهل  تستكثرون عليَّ أن اسكب الدمع الغزير من أجل فراق أخي ، ثم التفت إلى الحاج متعب وقال:  ياأبا حافظ مالنا نكره الموت ؟
ثم التفت قائلاً لمن في المجلس : استودعكم الأولاد ثم أردف قائلاً أدعوا لي يا جماعة .
دخل داره وأخذ يطوف بها , ويمسح بيده على جدرانها كأنه مودعاً لها... مرت ساعة قام بفتح باب السيارة , وجلس خلف مقودها يمسحه بكلتا يديه ثم نزل.
فقالت له زوجته : ماذا تفعل ؟
قال الأولاد : ما به ؟ قالت زوجته : لعله مريض , انتظروا أن يناديهم ، فلما رأته يناديها جاء الأولاد بابا فانفجر بالبكاء ، صرخت بهم الأم اذهبوا من وجه أبيكم ألا يكفي تعبه طول النهار , انسل الأولاد بعيداً عنه ، وجعل يبكي أحس كأن بكاءه يخرق قلبه ولم يعد يطيق الاحتمال وثبت كالمجنون  ثم صرخ بهم : تعالوا يا أولادي يا أحبابي.
استلقى في فراشه ثم قال تعالوا إليَّ ياأبنائي أخذ يقبلهم واحداً تلوا الآخر ويضمهم إلى صدره ويشم رائحتهم بقوة وهم يضحكون من فعل أبيهم لأنَّهم اعتادوا منه المزاح .
 فقال أحدهم للآخر : ماذا به اليوم لماذا يفعل ذلك لم نعتد منه هذا؟
 قال مجيباً على تساؤلهم هذا : اشعر أنَّ روحي تخرج من بين أظافري استودعكم الله يا أولادي ، ثم أغمض عينيه وعلت أنفاسه ثم هدأت فخرجت روحه إلى بارئها  , لقد رحلت فإذا به جسد ملقى بلا روح لم يكن يخطر ببال أفراد الأسرة إن هذا الرجل كان قبل قليل  مرحاً انه سيموت.
قالت زوجته يا حاج لا تخيفنا.
فعادت زوجته تتأمله ولقد مضى عليه الآن أكثر من نصف ساعة وكانت حذره تحسبها إحدى مكائدة , لما رأته هادئاً ساكناً مدت يدها إليه فحركته .
, حركوه فلم يتحرك أخذ أولاده الصغار يلعبون على صدره ويفتحون عينيه فهم وينغزون قدميه ولكن لا حراك أيقن الأبناء انه فارق الحياة علت أصواتهم وكثر نحيبهم فهرعوا إلى جارهم الحاج حسين ليخبروه ان أباهم  قد مات .
قال كيف ذلك أنا أموت والحاج نايف لا يموت،  ظاناً أنها سخرية من سخرياتهم التي اقتبسوها من أبيهم .
فلما دخل عليه وجده ميتاً هرع إلى مسجد القرية لينادي في مكبر صوت المسجد يا أهل القرية مات الحاج نايف مات الحاج نايف فزعاً لكونه لم يتوقع ذلك .
ذهل جميع أهل القرية كيف كان ذلك وهو قبل قليل كان يملأُ أزقة القرية مرحاً وصراخاً .، وكان محبوباً من أهل القرية ولذلك تأثروا بموته تناقلت وفاته الألسن , فسار الناس إلى داره والمرأة تجر ولداً , وتحمل الأخرى ولداً فيصيح هذا ويبكي هذا , ويجاوبه بالبكاء  طفل ثالث عن يمين الدار وثالث عن شمالها ، فأصبحت داره تعج بالناس وبقوا ينتظرون شروق الشمس ليدفنوه ، فلما ملأ الأفق نور الفجر ونشرت الشمس ضيائها قاموا بدفنه .
فلم يبق إنسان في بيت ولم يذهب أحد إلى عمله , وعلت الأصوات وأكثروا من النحيب ما الذي دفع بهؤلاء الناس ليحضروا إلى بيته يا ترى , ألا هو الحب لهذا الرجل الطيب .
إنها صورة من صور المتحابين في الله ، عجيب أمر هؤلاء القوم لا يريدون فراق الدنيا ليس حباً للبقاء فيها، إنما حباً في لقاء أخوة لهم . 
***

حكايات من القرية : حفر قبره بيده ودفن فيه


حفر قبره بيده ودفن فيه
كثيرة هي العبر التي تمر بنا ولكن القليل منها مايستقر في الوجدان تاركاً في النفس أثراً من العسير نسيانه فمن العبر قصة ذلك الشاب الذي نشأ يتيماً فقامت أمه على تربيته فلما شب أصبح يتمتع ببنية قوية وروح مرحة حب امرأة بعمره والدته ، كثر اللغط في أرجاء القرية على هذه المرأة ، كيف تقوم بإغواء هذا الشاب حتى يقع في حبها .
 أراد الزواج منها ولكن أمه رفضت مثل هذا الأمر، حاول معها مراراً وتكراراً واصفاً حبه وعشقه لها ، واعلمها إنها المرأة التي ستقوم على إسعاده ولكن الأم رفضت الأمر جملة وتفصيلاً كان عبود يهدد أمه بالانتحار إذا لم تقم بتزويجه من حبيبته ، ولكن الأم تعد مثل هذا التهديد ماهو إلا من باب السخرية والاستهزاء والضغط عليها لأجل الحصول على مباركة لهذا الزواج . 
وذات ليلة وضع عبود كرسياً تحت المروحة وقام بربط حبل بها ثم وضع هذا الحبل في عنقه ودفع الكرسي من تحته ، شد الحبل عنق عبود وأخذ صراخه يعلو هرعت أخته الصغرى لتقف تحته وتضع قدميه على كتفيها وأخذت بالصراخ وطلب النجدة ممن هم في البيت .
هرعت الأم إليه ورأت ولدها معلقاً من عنقه في المروحة تكاد روحه تزهق وعيناه شاخصتان منتفختان وأنفاسه تتصاعد أدركت الأم أنه ميت لامحالة ولكن الحبل قطع لم يستطع تحمل هذا الجسد الثقيل فأنجاه الله من موت محقق .
استجابت الأم لمناشدات أهل القرية فرضخت لمطلبه وقامت بتزويجه من حبيبته التي عشقها والذي كاد حبه لها أن يودي بحياته .
بعد عدة أشهر من زواجه توفيت امرأة في القرية وهرع أبناء القرية ليسهموا في حفر قبرها ودفنها تجمع الناس فوق التل الذي يوجد في المقبرة وباشروا في عملية الحفر ، كان عبود هو من يقوم ويشرف على حفر القبور في القرية وذلك لحبه لفعل الخير كثيراً ، ولكنه يحب المزاح في مثل هذه المواطن التي لايجب فيها مثل هذا الأمر ، فلما أكملوا حفر القبر نزل عبود إلى القبر وأخذ يقيسه وقال إن القبر يحتاج إلى توسعة بمقدار أربعة أصابع ، واستلقى فيه ، قالوا المرأة أصغر جسماً منك ولكن عبود أصر على التوسعة ليكون القبر بحجم جسمه  ، فلما أكملوا القبر  نزل عبود إلى اللحد ، وأخذ بالصراخ النجدة أدركوني إني أموت إني أموت وهو يمسك صدره بقوة .
هرع إليه من في المقبرة وهم يصرخون عليه ، أخرج عبود ليس الوقت وقت مزاح الآن ـ  عبود أنا نعرف حركاتك تلك ، ولكن عبود لا يأبه لصراخهم وبقي مستلقياً في لحده دون حراك .
 نزل إلى القبر أحدهم وحاول إخراجه من اللحد لكن دون جدوى ، نزل الثاني فسحبا عبود إلى خارج اللحد وهما يقلبانه ولكن عبود لاحركة له ، خرجوا من مكانهم على عجل وكثر الهمس في أرجاء المقبرة هل هو يكذب أم انه فارق الحياة حقيقة ؟
نزل أحدهم كي يتأكد من الأمر فوجد عبود ميتاً ، خرج مسرعاً وهو يقول مات عبود مات عبود أخذته انفعالة وكأنه أصابته الهستيريا ، لم  يصدق الناس  ماحدث انشغل الناس بعبود وتركوا تلك المرأة مسجاة على الأرض ، فانطلقوا مسرعين بالرجل سريعاً إلى المستشفى في مدينة الموصل وبعد جملة من الإجراءات في الطب العدلي عادوا به ليدفنوه في القبر الذي أسهم في حفرة وفي اللحد الذي حفره بكلتا يديه ، كيف حدث ذلك؟  .
 هال الأمر جميع من في المقبرة وفي القرية ، وذلك لهول ما شاهدوه شاب قوي البنية  كان قبل قليل يقوم بحفر هذا القبر وهو الآن يوضع فيه ، كيف يكون مثل هذا الأمر إنها إرادة الله تعالى وقدرته وانه الزائر الذي لا يوصد أمامه باب ولا يحول بينه جدار أو حرس .
جيء به إلى البيت ليصار إلى تغسيله ومن ثم الصلاة عليه تمهيداً لدفنه واجتمع الناس كما هو دأبهم منهم الطالب للأجر ومنهم المستطلع للأمر الجلل فعم الحزن أرجاء القرية ليس على فقد الفتاة ولكن على فقد هذا الشاب مستغربين ما حدث أمام أنظارهم جميعاً .
ليدفن بالقبر الذي حفره بيديه ، ونسي الناس مصابهم بوفاة ابنتهم من هول ما رأوا من حدث جلل .


***









حكايات من القرية : الزوج الوفي


الزوج الوفي
في كل صباح تخرج إلى الحقل تحمل بيدها مسحاتها وكأنها رجل , تزرع الأرض , تقف في وسط الحقل وكأنها تقيسه طولاً وعرضاً .
امرأة سمراء الوجه تـتقد عيناها حيوية ونشاطاً , إذا سارت تهد الأرض هداً , كان شيوخ القرية يسمونها (الضابط) لقامتها المنتصبة ومشيتها المتزنة الواثقة ، إذا تكلمت يجلجل صوتها من بعيد ، تحمل عن زوجها عبئ الحياة لسنوات طوال ، وهي تحتمل قسوتها ومعاناتها في هذه القرية الخاملة وها هما يتقدمان بالسن , وأولادهم يكبرون أمام ناظريهما , لم تعرف المرض يوماً ما وتسخر من الذين يصابون به , سقطت في أحد أيام الصيف وهي تسقي حقلها , لم تدم أكثر من نصف ساعة ففارقت الحياة .
 ياالله كيف خارت قواها ، واختفى ذلك الصوت الهدار إلى الأبد ، وأخذ يعلو فمها الزبد لقد مرَّ عليها الموت فاختطفها سريعاً ، لقد ماتت وهي لم تتجاوز الخمسين من عمرها ولكنها تركت خلفها تاريخاً عبقاً طيباً طاهراً نقياً . 
هرع زوجها إليها وحملها بين يديه ، وتدفقت عيناه بالدمع ، وكانت نفسه تضطرم تنطوي على أجمل العواطف وأبهى الصور الجميلة ما ألذي أصابها في هذا اليوم ؟
 وضعها في السيارة ليحملها إلى المستشفى ، الكل يناديه : إنها فارقت الحياة ولكنه لا يسمع لأحدهم صوتاً , قاد سيارته مسرعاً وهي تطوي الأرض بسرعة كأنها تنشر ما انطوى من الذكريات أمام عينيه ، وأزدحمت في نفسه صور حياته الماضية وحببت إليه كثيراً تلك الصور .
وما إن وصل إلى المستشفى ، أخذ يضرب على الجدار ويتمنى أن لو استطاع الطبيب إسعافها ، إلا انه أيقن أنها فارقت الحياة .
أخذ يصرخ كيف لي أن أعيش بدونها ؟
شخص بصره ، وبح صوته ، وأخذ يردد كلمات هادئة بصوت خافت كأنه يناجيها ، وهو يبتلع ريقه بين حين وآخر .
 ثم علا صوته وقال : لا أستطيع أن أتصور أنها فارقت الحياة ؟
وبعد دفنها وقف على القبر وكان يتمنى أن تكون له نافذة ليطل عليها من خلالها،  وخالطه حزن عميق , والدماء تشتعل في عروقه , غضباً وألماً وكرهاً لهذه الحياة ، وحباً في لحاق محبوبه المسافر بعيداً عنه.
 لمس القبر فما أحس إلا بسخونة الحجر ، وأظنَّها سخونة قلبه ، أغمض عينيه وفتح قلبه لعله يسمع نداءً منها .
حملوه عن قبرها ولما جاوز القبر واتجه إلى القرية ماج واضطرب وقال لم يبق لي أحد في هذه القرية اللعينة ؟ لقد رحلت الأم والأخت والزوجة والأخ بعيداً عني وأجهش بالبكاء.
فلما دخل الدار هاجت نفسه واضطرمت وأثارها ما أثارها من رؤية أطلال الأحبة والوقوف على آثارهم الغابرة ، لقد مر على البيت ثم جلس على الفراش لم يستطع البقاء فيه , خرج مسرعاً إلى الحقل وها هو واقفٌ على القبر من جديد ، يبكيها بكاءاً  لم يبكِهِ على أحدٍ من قبل.
وما هي إلا أيام وفقد بعض بصره واحدودب ظهره وخارت قواه وأصبحت عصاه ملازمة له ، لم تعد قدماه تحمله , ولم يستطيع السير عليهما ، كان يقول مخاطبا قدميه : كيف لهتين الساقين النحيلتين أن تحملا جبلاً من الهم يكمن في صدري , بلغ منه الحزن مبلغاً عظيماً وأشعلت نارُ الشوق ولوعة الفراق قلبَهُ . فلما كان يُسأل عن حاله يقول : قتلني البعد عن الأحبة .
تراه يجلس خارج الدار ولا يدخلها إلا لينام فلما كان يُسأل عن ذلك يقول : لِمَ أقيمُ في مكان لم أعد آلفه وأصبح كل مافيه غريب عني .
إنه شعور من لا يريد الحياة ولا يجد الموت ولكن يبصره من بعيد ، قابلته فوجدته ضيق الصدر شارد الخاطر , كأن به علة  في جسده  فلما رآني انسل الرجل وبكى فقلت : يا عم إنها سنة واحدة من الفراق تفعل بك ما فعلت ؟.
فقال: كيف لي أن أنسى من كان قسيم حياتي لثلاثين سنة لم أعُدْ أجد في الدنيا ما يرغبني بها أو يغريني أن أحرص عليها .
فقلت : أليس لك أولاد ، وولدٌ صغيرٌ لم تزوجه بعد ؟
قال : لاتخف يا بني فأنا لا أموت من الحزن أبداً حتى أزوج أخاك الأصغر ثم أردف قائلاً : صدقني إنني لا آسف في هذه الحياة على شيء ضاع مني أبداً سوى أسفي على فراقها ولا أطمع في شيء طمعي بعودتها إليّ من جديد ، ولكن الكل يعرف أن هذا  من المحال لم تمر الذكرى السنوية الأولى على رحيل زوجته إلا وفارق الحياة .
حضر أهل القرية دفنه وشهدوا بأم أعينهم كيف رحل هذا الرجل المحب ، إنهم لم يشهدوا لهذين الزوجين في الدنيا نظيراً أو مثيلاً في مقدار حبهما وكثرة وفائهما لبعضهما .
لقد كانت هذه صورة من صور الوفاء في قريتنا التي لا زالت ألسنةُ الناس تتداولها .
***