الجمعة، 8 يونيو 2012

حكايات من القرية الرجل القاسي


الرجل القاسي
في بيت أبيه تعلم القسوة وأخذ الحقوق بالقوة نشأ  وتربى في أحضان أُمه وأبيه رأى أمام عينيه كيف تُـقدم أمه على خيانة أبيه ثم قامت بقتله بوضع السم له في الطعام لتأخذ حبيبها , رأى والده كيف يعاني النزع والألم وكيف كانت روحه  تفيض إلى بارئها بيد زوجته , يسمع ضحكاتها وهي في أحضان معشوقها بعد أن تزوجته بفترة قصيرة , لكنها لم تهنأ كثيراً بهذا الزواج إذ قتل عند نزوله إلى مدينة الموصل للتبضع فلما بلغها النبأ أخذت تندبه وشقت جيبها ونثرت شعرها , ولطمت خدها , ووضعت السمود ـ سماد الموقد ـ على رأسها , أخذت ملابسه ووضعتها على خشبة وجعلت منها فزاعة أمام ناظريها كأنه لم يمت وهي تندبه وتبكي عليه الليالي , ولكنها بعد ثلاث سنوات قامت بوضع السم لنفسها وقتلت نفسها حزناً وأسىً على فراقه ومن أجله تجاوزت كل المحرمات وتعرضت للأقاويل وها هي الآن تفقده بين ليلة وضحاها بقيّ وحيداً لا أم ولا أب له , نشأ في بيت عمه والحقد يملأُ قلبه على كل امرأة في الكون وعلى كل إنسان كان لما يسمع من كلام يؤذيه عن أفعال أُمه دون أن يؤهبه به أو بمشاعره , لذلك لم يعد يحترم إنساناً ولا تأخذه الرأفة والرحمة بأي إنسان أو حيوان رجل أصبح قلبه أسود مرباد , تزوج أبنة عمه , أخذ يقسو عليها لأن صورة أُمه ماثلة أمام عينيه تتجسد في كل امرأة يعرفها , من رآها أشفق على حالها كأنها أسيرة في بيته , كان يوسعها ضرباً لم يبرح يومًا من الأيام إلا وضربها , أنجبت له ولداً واحداً .
كانت لديه سيارة يعتز بها كثيراً  إذا مَرَّ بأهل القرية لا يسلم على أحد منهم , ولا يحمِل معه أحداً في سيارته برغم قلة سيارات القرية آنذاك , فلما كان يعاتب على ذلك ويقال له يكون جوابه : لماذا لا تسلم أنت عليَّ ؟ , فهو هاديء الطبع في الطريق ومع الناس ولا يختلط بهم ولا يتكلم مع أحد ولا يجلس مع أحد انعزل  ولا يشارك في أي مناسبة من مناسبات القرية .
شديد قاسٍ , ولا يتحمل أي تصرف من عائلته , في أحد الأيام أخذ ديك عنده يصيح قام إلى هذا الديك وأمسكه واوسعه ضرباً ولم يفلت من يده إلى أن قضى عليه ، وكانت  حجته في ذلك أنه أزعجه من نومه .
لا يدع أحداً يقود سيارته , حتى ولده الوحيد, وفي أحد الأيام وهو يقود سيارته بعد أن كبر سنّه وقل بصره , اصطدم بسيارة أخرى فتحطمت سيارته أمام ناظريه ، كان معتداً كثيراً بهذه السيارة بعد هذا الحادث أصبحت كأنها كومة من حديد, فقد عقله لفترة من الزمن لا يعرف هل هو الحزن على سيارته أم على ما أصاب قدميه من عطب ,وكسرت عظامه وأصيب عدة إصابات في أجزاء متفرقة من جسمه , أُدخل المستشفى ولم يكمل علاجه  لأنه لا يستطيع المكث فيه , حمل إلى بيته وكان يحتاج إلى أكثر من عملية جراحية ولكنها لم تُجْرَ له .
ها هو يصبح تحت رحمة الزوجة وولدها وأحفاده الذين ورثوا القسوة منه , وتعلموا عدم الرحمة على يديه لم يشتروا له  كرسياً متحركاً يوضع عليه إذا دخل الحمام يدخل يزحف على مؤخرته وإذا أراد أن يخرج أمام داره يخرج زحفاً على مخرته , في أحد الأيام سمع صوتاً خارج الدار وأمام داره متجر لبيع البضائع ، زحف إلى سلم الدار فارتقى إلى السطح وأخذ يصرخ بأعلى صوته ما هذه الحياة الكئيبة البائسة إني لا أُريدها , سانتحر ...... هرع إليه شباب القرية وأنزلوه من فوق سطح الدار , وها هو يحصد ما زرعت يداه من قسوة وجحود وعدم مبالاة بمشاعر المقربين به ليكتوي بنارها ويصطلي بلهيبها ، ولما حضرته الوفاة لم يبك عليه أحد ولم أرَ أحدا يترحم عليه في مجلس العزاء الذي أقيم من قبل أقربائه رغماً عن انف ابنه وزوجته وأحفاده .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق